12.14.99

بورتريهات

Posted in Arabic, Reflections, Short Story at 1:53 pm by Rou...

“إن الإنسان ليس مجرد لغة… -

إنه يستطيع أن يفهم… بلا كلام…”

                               إحسان عبد القدوس

 

بورتريهات

 

أنهيت يومي الدراسي و خرجت من الكلية و أوقفت أول تاكسي جاء أمامي … ثم خطر إلي أنني لا أريد الرجوع إلى المنزل الآن … فقررت أن أتناول غذائي في ذلك المطعم الأمريكي الشهير بجانب منزلنا … ودخلت… ووقفت في الطابور الطويل بانتظار دوري … وحين وصلت ما كدت أفتح فمي لأطلب حتى قاله لي الفتى بابتسامة … وضحك قائلاً : “ألن تغيري طعامك أبداً … ؟!”

ابتسمت ودفعت له النقود وأخذت الطعام وذهبت لأجلس …

جلست في ركن منزوي … وبعدما انتهيت من طعامي أخذت أنظر حولي … وابتسمت وأنا أتخيل قصة لكل شخص جالس أمامي … وأحاول أن أرسم في ذهني تفاصيل حياته …

فأمامي مباشرة جلس طالبان من الواضح أنهما في كلية الهندسة ؛ حيث أخذا يذاكران وهما يشربان القهوة الأمريكية الساخنة. كانا يتناقشان في حدة حول مسألة ما وأحدهما يمسك في يده بذلك المثلث الشهير الذي لا يستخدمه إلا طلبة هندسة. وابتسمت وأنا أتخيل أنهما يذاكران من أجل الامتحانات القادمة.

وعلى مرمى بصري جلست وحيدة تنظر في ساعة يدها كل دقيقة … وابتسمت في شفقة … كم يؤلمني أن أرى فتاة وحيدة تنتظر فتاها … أو … هكذا تخيلت أنها تنتظره.

وفي المقعد المجاور لها مباشرة كان يجلس وحيداً … وكأنه ينتظرها …

وبجانبي جلس ثلاث فتيات، لا يتعدى عمر أكبرهم السادسة عشر، يضحكن بطريقة خليعة و يحاولن لفت أنظار المطعم بأكمله …

ولم تمض دقائق حتى دخلت فتاة جميلة واتجهت نحو الفتى الجالس وحده فقام لها وهو يبتسم ويغمغم بكلمات كثيرة لم تلتقط أذناي منها إلا: “إيه اللي أخرك كدة…؟” … وأشياء من هذا القبيل … ثم ضحكا وحضنت يداه يداها … ومضيا إلى الخارج …

بعد قليل جلس مكانه إثنان من ذوات الشعر الأصفر والعيون الزرقاء، وجلسا كعادة “الخواجات” يتحدثان الإنجليزية بصوت عالي…

ثم دخل فتى طويل القامة، عضلاته بارزة ومظهره غير مريح وألقى التحية على الثلاث بنات الضاحكات وانطلق إلى الدور العلوي …

أبعدت نظري قليلاً فوجدت رجلاً في أوائل الثلاثينات من عمره يرتدي حلة أنيقة وبجانبه حقيبة “سامسونايت” فخمة يجلس وحيداً يأكل طعامه في صمت وهو ينظر حوله… ومظهره العام يبدو كرجال الأعمال …

نظرت أمامي مرة أخرى فوجدت الفتاة المنتظرة وحدها وقد ملت الانتظار ووقفت بجانب النافذة الكبيرة تلتهم بنظراتها الشارع لعلها تجد طيفه…

نظرت حولي ثانية فوجدت رجلاً يجلس مع زوجته وطفله … جلسا يأكلان في صمت رهيب و كل منهما لا ينظر إلى الآخر… وكأن كل ما أصبح يربطهما هو ذلك الطفل الجالس بينهما…

وبينما كنت أنظر حولي التقت عيني بعينا رجل الأعمال، ووجدته ينظر إلي ويبتسم ثم قام ونقل بصره إلى الفتاة المنتظرة وحدها وألقى عليها نظرة ذات معنى … وكأنه يفهم معاناتها … ثم مضى إلى الخارج …

أخذت أنقل بصري بين الجالسين حولي … وأبتسم …

ثم وقع بصري على الساعة …

لقد تأخرت كثيراً … ستقتلني أمي …

أخذت ألملم في أشيائي المبعثرة … ومضيت إلى الخارج …

وقبل أن أذهب … ألقيت نظرة أخيرة على أصدقائي…

وخرجت … وأنا أبتسم … وأشعر أنني عشت مع هؤلاء الأشخاص في تلك اللحظات القليلة وعرفت عنهم ما لا يعرفه أقرب الأقربين ……

ووجدت نفسي أغمغم وأنا أعبر الشارع إلى المنزل :

 ”حقاً… إن الإنسان ليس مجرد لغة… إنه يستطيع أن يفهم … حتى بلا كلام…!”

 

 

رحاب رجائي

في 14 ديسمبر 1999