April 26, 2008

تصوير خارجي

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Revolutionary and Politician at 11:04 pm by Rou...

Below is an interesting piece from the book “رشق السكين” by “محمد المخزنجي”

 

 

تصوير خارجي

 

يمكنك الآن أن تعدي الكاميرا للتصوير، حيث سيتعين عليك – لتسجيل هذا المشهد – دون أن نوقف السيارة – أن تدوري، و تلتفتي دورات وجيزة، ومجرد إلتفاتات صغيرة، وأنت في مقعدك وراء الزجاج، و ربما يكون من المستحسن أن ننزل زجاج النوافذ لتكون الرؤية أنفذ. في هذه الأثناء سأكون قد فتحت جهاز التسجيل لتأتي الأصوات متزامنة مع الصور.

 

أنظري، إنهم هم الذين يظهرون هناك – على إمتداد الطريق – حيث تتشكل من إحتشادهم فوق الأسفلت الأسود، وهم في الملابس التي يكثر بينها لون قماش الخام، غيمة خفيضة عكرة البياض على الطريق. والبناية البيضاء – البناية البيضاء المصفرة – التي تظهر بين جذوع الأشجار الداكنة وفوق الذؤابات الخضراء المغبرة هناك، هي بالضبط البناية التي يأوون إليها.

 

لقد قرأت على يافطة البوابة – التي لم يبق منها إلا أثر مصاريع نزعت من زمن – كلمة: دار، وخيل لي أنني قرأت – ربما – كلمة مثل: الإصلاح، أو الإستشفاء، أو التقويم… شئ بهذا المعنى، إذ أن اليافطة حالت من أثر كونها في العراء سنين عديدة.

 

عندما نقترب منهم، سترينهم وقد أخذوا يتحركون متزاحمين في كتلة تسد الطريق. حينئذ سيتوجب علينا – أو نضطر إلى – الإبطاء من سرعة السيارة. في هذه اللحظات – و السيارة تشق كتلتهم حولنا – ستعملين أنت بالكاميرا فيما يكون جهاز التسجيل مفتوحاً… ستستعرضين وجوهاً شديدة الإنفعال، عرقة ومعروقة، بأفواه فاغرة، وعيون غاضبة ملتمعة بحدة. ستقتربين من ملامح هجومية لبشر، بينهم العاري و شبه العاري، في أسمال من قماش الخام وبقايا الملابس القديمة التي كانت عليهم عندما جئ بهم، حفاة أو منتعلين أحذية، تبعاً لقدم عهدهم أو حداثتهم بالمكان. سيكون هذا كله قريناً، بالطبع، لما يخرج من أفواههم، والذي لن نتبينه إلا ضوضاء، عندما نعمل – فيما بعد – على ترشيح الأصوات فيها سنتبين: مفردات  ما… شتائم، كلمات مغلولة، أشعار غضب، أغان حماسية، أناشيد صاخبة و همهمات فبها توحش.

 

ها هم،

 

ها هم،

 

إننا ندخل في كتلتهم!

 

لا. لا. لا تخافي. إلبثي بقرب الزجاج. أو إفتحيه. إنهم لا يهاجمون. إعملي بالكاميرا. الخوف سيفوت عليك المتابعة. نعم نعم إنني قد فتحته. لا تخافي. فتحت جهاز التسجيل. إنهم يحيطون بالسيارة. نعم لكنهم لا يهاجمون. حسناً إنك تصورين من هذا الجانب. خذي هنا أيضاً. هنا في مواجهة الزجاج الأمامي. حسناً حسناً إرجعي إلى الجانب. تابعي. تابعيهم بالكاميرا ونحن نخلفهم وراءنا. نعم من خلال الزجاج الخلفي.

 

… ياه؟! تلتقطين أنفاسك كأنك طالعة من غرق. لم تصدقي أنهم غير خطرين. إنهم فعلاً لا يهاجمون رغم تزاحمهم، رغم جمهرتهم الصاخبة و الغضب الصريح. كانوا فيما مضى يهاجمون، يعترضون السيارات المارة على هذا الطريق. كانوا يستعملون الحجارة و القضبان الحديدية و العصى و أفرع الشجر، والضعاف منهم كانوا يرشون بالماء أو يعفرون. ذلك فيما مضى، لنفس الأسباب التي تجعلهم يفعلون ما يفعلونه الآن: تأخر الطعام أو إنقطاع المياه، بالإضافة إلى الرغبة في تصفية حسابات قديمة لم تصف بعد، إذ سيقوا إلى هذا المكان عنوة.

 

نعم. نعم كانوا في الماضي يهاجمون، إلى أن ظهر بينهم ذلك الرجل. ذلك الرجل كان يصرخ في العربات وهي تمر، يصرخ فقط و هو في قلب تزاحمهم، ويحث الآخرين على الصراخ. كان يقظ العينين، غير تلقائي النظرات مثلهم. ثم إنه كان يلح عليهم أن يفعلوا مثله، وعندما راحوا يفتحون أفواههم ويصرخون كانت أياديهم تكف عن الحركة.

 

أنظري،

 

أنظري الآن. أنظري وقد ابتعدنا عنهم: ثمة سيارة أخرى تجاهد وهي تشق تزاحمهم حولها. وها هي ذي تعبرهم، وهم يصرخون.

 

 

Advertisements

3 Comments »

  1. Mermaid said,

    A brilliant writer! Simply brilliant!

    How suitable this short story to what we have now in Egypt? (bitter smile and a sigh)

    “وعندما راحوا يفتحون أفواههم ويصرخون كانت أياديهم تكف عن الحركة”

    True!

  2. sleeplessrou said,

    He is a very good writer indeed… catches scenes keda 3ageeba awy and very touching…
    This one in particular is one of my favs because of what you actually wrote above… This is simply “us” these days… and the exact same sentence you chose is what caught my attention when I first read it…

    Bass again I’ll keep saying… “We gotta keep breathing… because tomorrow the sun will rise… and who knows what the tide could bring…?”… sa7? 🙂

  3. Mermaid said,

    YES 😀 “Who knows what the tide could bring?” 😀

    kont ha3mel eih men gheirek 😀


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: