April 10, 2009

بورتريهات II

Posted in Arabic, Reflections, Short Story at 5:25 pm by Rou...

“كل واحد منا في قلبه حكاية…”

              – من أغنية راوي لسعاد ماسي

 

منذ عشر سنوات كتبت بورتريهات… و اليوم أكتب بورتريهاتٍ أخرى…

 

بورتريهات II

 

لم تطئ قدماي أي من المواصلات العامة منذ أكثر من خمس سنوات، تحديداً منذ العام الثالث بالجامعة حين توقفت عن ركوب مترو الأنفاق ذياباً و إياباً و إستوليت أولاً على سيارة أبي –  رحمه الله –  الفيات ال132 الحبيبة، ثم سيارة أخي، حتى إشتريت بعد تخرجي بشهور سيارتي الخاصة “المستعملة”…

 

منذ أيام قليلة أودعت سيارتي عند صديقها الميكانيكي لكي تقضي بعض الوقت في صحبته، فأنا لا أستطيع أن أفرق بين الأحبة… و بالطبع، و كما هو متوقع، لم أستلم سيارتي بعد… و بين عشية و ضحاها أصبحت مشاكلي كلها تتلخص في كلمة واحدة: “تاكسي”…

 

من يعرفني جيداً سوف يستطيع أن يتفهم كيف أن تلك الكلمة هي من أسوأ الأشياء التي قد تحدث إلي… ليس لشئ إلا أن سائقي التاكسي لا يمنحوا راكبي سيارتهم لحظة واحدة من الخصوصية… و أنا أكره الفضول و “الحشرية”… و “الرغي”… و هذه سمات ينفرد بها سائقي التاكسي عن باقي البشر، و كأنها عادة يتم إستخراجها مع الرخصة…

 

إذن… بطبيعة الحال و كما هو متوقع… بعد قضاء يومين فقط في التنقل بالتاكسي، أدركت أنني على وشك الإنهيار… فقررت أن أصبح مخلوق طفيلي… يعيش على “توصيلة” من هنا و أخرى من هناك…

 

أمس الأول و بينما كنت أتجول على قدماي في شوارع أرض الجولف وجدت بداخلي رغبة ملحة في ركوب المترو… ليس مترو الأنفاق، بل المترو “العادي” أو “الترام” كما كانت تطلق عليه جدتي – رحمها الله – … ذلك الكائن العتيق الذي يتهادى في سيره على القضبان حاملاً معه تاريخ ضاحية لم تعد حتى تحترمه… فتراه يطلق سرينته المتصلة و كأنه يصرخ في السيارات المقبلة أمامه أنني أنا الأصل… فتوقفي تبجيلاً لي…

 

ركبت مترو الميرغني من محطة كلية البنات، حيث تتحول عربة المترو فجأة و “بقدرة قادر” إلى ميدان رمسيس الساعة الثالثة عصراً، و أنا غير مستقرة على محطة النزول… كنت أريد أن آخذه لآخر الخط “فُسحة”… وقفت بجانب النافذة المفتوحة و الهواء المنعش يرتطم بوجهي المجهد… و حين صعد المترو على كوبري الميرغني وجدت نفسي في حالة عجيبة من الإنتعاش… و إرتسمت على ملامحي إبتسامة عريضة أكاد أن أقسم أن من رآاها على وجهي إستنتج أنني بلهاء…

 

حين وصل المترو إلى ميدان ترايومف كان الزحام قد خف قليلاً، فاتخذت مجلسي على المقعد الأحمر المتهالك و أنا أكاد أن أخرج رأسي من الشباك المجاور لكي “أتفرج” على الشوارع… إحساس مختلف أن تتجول في شوارع القاهرة بدون أن تكون بداخل سيارة… و كأنك تراها من منظور مختلف… رؤية أخرى، أقل تعصباً…

 

“شرابات يا حاجة؟ الواحد بتلاتة جنيه!”

 

إنتبهت من شرودي على الصوت الواهن لطفل صغير لا يتجاوز عمره السبع سنوات موجهاً حديثه لإمرأة في منتصف العقد الخامس من العمر جالسة قبالتي… رفضت السيدة في لطف فتوجه ببضاعته إلى أول العربة حيث كانت إمرأتان متشحتان بالسواد تجلسان…

 

“حاخد إتنين بخمسة… ”

“ماشي يا ست، خلينا نستفتح…”

 

تم التبادل السريع لل”بضاعة” و النقود، ثم إستدار تاركاً المرأتان خلفه و هو يدور بعينيه سريعاً على باقي الركاب لعله يجد في أي منهم “زبون” جديد، ثم ما لبث أن أخرج من جيبه بضعة أوراق مالية “مكرمشة” و إفترش أرضية المترو بجانب الباب…

 

نقلت بصري بين وجوه راكبي العربة لعلي أصل إلى نفس إستنتاجه السريع بعدم إحتمالية شراؤهم منه… على يميني جلس أربع فتيات يرتدين الخمار و يتحدثن بصوت مرتفع نسبياً… أمامي مباشرة وبجانب السيدة  جلس شاب في العشرينات من عمره يقرأ بصوت منخفض غير مسموع من مصحف صغير في حجم الجيب… في النصف الثاني من العربة وقف شاب “دُفعة”، كما يطلق عليهم، مستنداً برأسه على العمود في شِبْه غفوة… بينما إلى جانبه وقفت فتاة وحيدة تتطلع من النافذة في شرود…  

 

وجوه في مجملها كئيبة… تشابهت وإن إختلفت… عيون متحجرة… ثابتة ثبوت الموت…

 

عدت ببصري مرة أخرى تجاه الطفل، متابعة إياه وهو يحصي حصيلة يومه من إربع و أنصاص الجنيهات و ما إلى ذلك من العملات الورقية و المعدنية بأصابع يديه النحيلة… ولم أستطع أن أنزل ناظري من عليه حتى وصل المترو إلى محطته الأخيرة…

 

ترجلت من العربة العتيقة و أنا أتابع  بعيناي خطواته السريعة عابراً القضبان بينما أصابعه متشبثة بقوة بالكيس البلاستيكي الملئ بالشرابات رديئة الصنع التي يبيعها… إستمر في خطواته السريعة تجاه الجهة الأخرى من الشارع حتى إبتلعه الزحام واختفى من أمام ناظري…

 

كم يا ترى يجني في يومه…؟ كان تساؤلي الصامت و أنا هائمة على وجهي في الشوارع المجاورة… أتراه يكفيه لعشاء يومه أم أنه سيبحث عن فضلات الآخرين ليأخذ منها غذاؤه… أتراه سوف يستمر في حياته كبائعٍ جوال أم ستحوله الأيام إلى متسول… أو… سارق…؟!

 

أخذتني أفكاري و أنا أتجول على قدماي حتى قطع سيل أفكاري رنين هاتفي المحمول…

 

        “ألو…”

        “أيوة يا بنتي… إنتي فين؟”

        “مش عارفة… في الألف مسكن أعتقد…”

        “طب إيه النظام النهاردة…؟”

        “همم… مش عارفة… صحيح هو إنت ماتعرفش هم ليه سموها الألف مسكن؟ إيه يعني كانوا بانيين ألف بيت هنا؟”

        “و لا عندي فكرة… إنتي إيه اللي وداكي هناك أصلاً!”

        “كنت بتفسح…”

        “في الألف مسكن!!!”

        “لأ… في المترو…”

        “!!!!!”

        “سيبك… أشوفك في الكوربة كمان نص ساعة…”

 

 

رحاب رجائي

في 10 أبريل 2009

Advertisements

10 Comments »

  1. Mermaid said,

    Could actually imagine you in every shot 🙂

    I miss this tram awy 😦 I used to ride it almost 4 years ago before getting a car… and nothing could compete with it in lifting my mood specially in cold winter nights. Maybe I will just do as you did!

    But … there wasn’t a single cheerful face, gesture, or even piece of clothes in the tram? Why everything was so gloomy and closer to death than to life?!

    This post reminded me of something I wrote myself some time ago:
    http://mydmermaid.wordpress.com/2005/01/25/scenes-from-life-ii/

  2. Rou... said,

    You know something… the last time I used that tram, I was like 15 or 16 years old…

    Why was it closer to death than life… hmmmm… may be because I was writing it while I was in a dull mood…

    I liked your post a lot… feeha menha fe3lan! 🙂
    Thanks for passing by dear!

  3. Zandzz said,

    I liked this post a lot. Despite the gloomy mood. I totally can relate to it especially the part where you see cairo from a different perspective. I miss just looking at people and the streets instead of daily stress of driving. And it reminded me of the TRAM 😀 I love it, it reminds me of a happy time some 6 years ago.
    Loved this post 🙂

  4. Rou... said,

    ya Randa begad thank you for your words, I’m just glad you liked it… 🙂

    It’s worth doing every once in a while walahy… at least 3ashan odam nafsek… elwa7ed yenzel shwaya men elborg ely 2a3ed feeh we yeshoof elnass dee 3aysha ezay… (although we will never see how ppl actually live or suffer!)…

    Apologies for the gloomy atmosphere… bass heya tel3et keda!

  5. nousha said,

    very sweet 🙂

  6. Rou... said,

    Glad you liked it ya Nousha 🙂

  7. meto said,

    yammo el sa3d yammo el sa3d yammo el saaaaaaaaaaaaaaaaaaaa3d

    Tab3an ya Rou you understand what I mean 😉

  8. Rou... said,

    LOOL… er7am nafsak men elkorh da ely gowak lel balad dee 😀

  9. nerro said,

    a7eb a3raf eih 7ekayet Ommmo el sa3d!!
    lovely ya rou, el experience 7elwa :))

  10. Rou... said,

    LOL, hab2a a7keelek ya Nerroz! 🙂

    Thanks dear for passing by!


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: