January 21, 2012

بعد الشتاء

Posted in Arabic, Short Story at 2:08 am by Rou...

برد قارس يأتي به الشتاء هذا العام… لكم تعشق هذا الجو، حتى أنها إختارت عشرات المرات أن تسافر للبلاد الأوروبية الشمالية في هذا الوقت من العام فقط ليتسنى لها الاستمتاع بهذه البرودة، وإن كان هذا العام لم يحالفها الحظ لترتيب رحلتها السنوية فكأن القدر إختار تعويضها بشتاء لم تعهده من قبل في مصر…

لكم هو رائع إحساس الدفئ في مثل هذه الأيام؛ فكرت وهي تحارب لكي تتسلل من بين الأغطية لتذهب لعملها… قاطع أفكارها صوت بائع الليمون في الشارع الذي لا يمل من المرور في هذا التوقيت يومياً، فضغطت على الزر السحري بجهاز التحكم عن بعد القابع على المنضدة الصغيرة بجانبها لتنطلق موسيقى باخ المفضلة لديها في أركان شقتها الواسعة ماحية أصوات الشارع الضوضائية عن سمعها… تحركت أخيراً من سريرها بعد محاولات كسولة، متناولة الروب الصوفي الذي أتت به من لندن العام الماضي وهي تفكر في حسرة متى يأتي الوقت الذي تستطيع ترك هذه الشقة والرحيل إلى مكان أكثر هدوءاً…

ملأت المغطس بالمياه الساخنة وهي تمد يدها لتناول زجاجتان من سائل الإستحمام واحد برائحة جوز الهند الممزوج بزبدة الكاكاو والآخر برائحة العطور الإستوائية، مستنشقة كل منهما على حدا، ثم ما لبثت أن سكبت من الزجاجة الأولى مذكرة نفسها أنها شارفت على الإنتهاء وأن عليها أن تراسل صديقتها بفيينا لتبعث لها بواحدة أخرى في أجازتها القادمة… جلست على الطرف تستمتع بالدفئ النابع من بخار الماء المشعب بالرائحة الذكية، ثم تسللت بهدوء إلى المياه الساخنة مغمضة عينيها تتلذذ بالجو العذب لذلك الصباح البارد… الملئ بالدفئ…

في غرفتها، وقفت طويلاً أمام دولاب ملابسها لتختار ما تذهب به للعمل اليوم… البنطال البني الذي تتخلله خيوط طولية والكنزة الوردية الذي أتت به من روما، أم التنورة السوداء المضلعة والقميص بترولي اللون الذي هاداها به عند عودته من براج الشهر الماضي…؟ فكرت كثيراً ثم إستقرت في النهاية على البدلة الرمادية متذكرة أن عليها أن تحضر إجتماع اليوم مما يتطلب ملابس أكثر رسمية… إرتدت ملابسها واضعة لمسات خفيفة على وجهها، فهي تحبه أكثر صفاءاً في الصباح… ربطت وشاحها الأحمر القاني، ولم تنس أن تضع عطرها الباريسي الصباحي المفضل… تأكدت من نقل مقتنياتها في حقيبة تتناسب مع ملابسها ثم تناولت المعطف الثقيل الذي إشترته من كندا في آخر زيارة لها… مناسب أكثر لهذا الصقيع… فكرت وهي تغادر منزلها…

جلست في هدوء تقلب بين محطات الراديو المختلفة وهي تنتظر إنتهاء الحارس من مسح ما تبقى من آثار أمطار الليلة الماضية عن زجاج سيارتها، حتى إستقرت على محطة الموسيقى الكلاسيكية المفضلة لديها… إنطلقت بالسيارة وهي تستمتع بإحساس الهواء البارد على جسدها الدافئ…

لماذا يا رب كتب علي أن أعبر هذا السوق كل يوم… فكرت في ضيق وهي تعبر في الشوارع الجانبية المليئة بالباعة الجائلين خلف منزلها، مغلقة النافذة حتى لا يخرجها هذا القدر من الضوضاء عن إعتدال مزاجها… إنطلقت في الشوارع المزدحمة وهي تتساءل أن يا ترى أي ميعاد من اليوم لا تتكدس فيه العربات بهذا الشكل؛ فأياً كان ميعاد نزولها، دائماً ما تأخذ ضعف الوقت المفترض أن تأخذه في الطريق للعمل…

إنطلقت في طريقها حتى وصلت لذلك التقاطع الشهير في قلب الحي المزدحم، وكعادة كل يوم على مدار الثلاثة أشهر الماضية، توقفت السيارة عن السير تقريباً بسبب تكدس طوابير الناس أمام منفذ بيع أنابيب البوتاجاز، وللمرة الثانية في نفس الأسبوع كادت أن تصدم إمرأة تعبر الطريق حاملة أنبوبة بوتاجاز على كتفها الأيمن، وطفلة رضيعة على كتفها الأيسر… مالهؤلاء البشر يعبرون الشوارع بدون نظر! إذا كانوا يريدون الموت فليفعلوا ذلك بعيداً عني… فكرت في حنق وهي تضغط كباح السيارة بأقصى قوتها، وإن هالها أكثر ما هالها نظرة اللامبالاة التي رمتها بها السيدة وهي تصعد الرصيف…

وصلت للتقاطع الأخير قبل الإنحراف يميناً لمكان عملها… ينتابها شعور غريب وهي تنتظر دورها في إشارة المرور تلك منذ يومين… شئ ما مختلف… شئ ما ينقص لا تدري كنهه… كل يوم تتساءل هل نسيت حاسوبها المحمول في البيت… كلا… ها هو ذا يقبع في الكرسي الخلفي… وها هو هاتفها في مكانه أيضاً… مرة أخرى أجبرت نفسها على التغاضي عن إحساسها العجيب وأكملت طريقها للعمل وهي تتجنب النظر كعادتها لبائع المناديل على الناصية…

في المكتب قضت اليوم بين المشكلات والنقاشات والإجتماعات المعتادة وإن لم تفارق ذهنها نظرة اللامبالاة في عيون المرأة التي كادت أن تصدمها في الصباح… لم تعطي الكثير من الإنتباه لطوابير البوتاجاز من قبل… في أول ظهورها فقط، ولكن مع الأيام أصبحت الصورة عادية… والإنسان يتعود على الأشياءالغريبة فتفقد معناها بعد فترة… ولكن اليوم… نظرة تلك السيدة أثارت بداخلها الرعب… هل أفقدتهم ضغوط الحياة حتى قدرتهم على الشعور بالخطر…؟ تساءلت في صمت…

في طريق العودة هاتفته لتأكيد موعدهما في الأوبرا في المساء… نادراً ما تقود سيارتها مرتدية المعطف، حيث يقيد حركتها أثناء القيادة، ولكن البرد كان قارصاً حقاً اليوم، فارتدته وهي متضررة من ثقله… تأخذ في طريق عودتها طريقاً مختلفاً عن طريق الصباح لكي تمر على النادي الرياضي حيث موعد تدريبها اليومي… ركنت سيارتها في الصف المخصص وترجلت منها في إتجاه البوابة، فقط لتلمح بطرف عينيها إمرأة نائمة على الرصيف المقابل في الهواء الطلق… إقتربت منها قليلاً وهي تضم معطفها… لم تتحرك السيدة من وضعها… تأملتها قليلاً… ترتدي جلباب أسود لا يبدو ثقله كافياً لتحمل تلك البرودة القاسية، ولا تستطيع حتى أن تجزم إن كان ذلك لونه الأصلي أم أن القذارة التي تحيا في وسطها لها النصيب الأكبر في لونه… ظلت على شرودها تحدق بالمرأة قليلاً ثم تركتها وعادت لسيارتها.. لم تدخل النادي الرياضي، بل إنطلقت ناحية التقاطع المجاور لمكان عملها…

وصلت لمكان الإشارة وترجلت من السيارة تبحث عن غايتها… أخذت تتجول قليلاً حتى وجدته جالساً على رصيف بجوار كشك السجائر… بائع المناديل… إقتربت منه…
– مساء الخير
– سالنور ياست هانم.. أي خدمة، الكيس بنص جيني
– لأ شكراً… عايزة أسألك على حاجة بس
– أأمري
– كان في راجل عجوز هنا بيقف في الإشارة… بيبيع نعناع… بقالي يومين مش بشوفه… ماتعرفش هو فين؟
– آه… عم إسماعيل… تعيشي إنتي يا ست
– إيه!!!!
– مات.. لاقيناه من كام يوم الصبح عند عمود النور اللي هناك ده مش حاطط منطق…
– ………………
– مش عايزة مناديل يا مدام؟
– ………………
– يا مدام… طب نفعينا يا مدام

عادت لسيارتها وصمت غريب يخيم عليها… وهي تفكر كم هو عجيب أمر الإنسان… كيف لا يدري المرء بالبشر من حوله أحياناً على الرغم من رؤيته لهم يومياً… يرى الإنسان ما تتعود عيناه على رؤيته، ومع الزمن يتعلم أن يضع ما لا يهمه في خانة الصفر، فلا يبذل حتى المجهود في رؤيته… كيف يعيش البشر في نفس المكان ومع ذلك تفصل بينهما تلك الفجوة في العوالم… فتتضرر هي من الضجيج في الشارع ومن إزدحام الطرق ومن إرتداء ملابس ثقيلة في الشتاء وتتفرج على العالم من خلف زجاج نافذة يقوم بتنظيفها شخص آخر في صباح بارد، ولا تعي ما هية الحياة في العوالم الأخرى… البعض يظل متقوقع في عالمه الخاص… والبعض يزيل القدر الغشاوة عن عينيه في لحظة صدق، ليعي ما يحياه الآخرون خارج دائرته ويشكر من وهبه تلك النعم…

هي الآن تعلم… تعلم أنها تستطيع أن تزرع الأمل في نفسها ونفوس من حولها وأن تحارب حتى لا يتحول من رأتهم اليوم لأول مرة بعين جديدة إلى عادة تنساها مع الوقت… تعلم أنه عندما يذوب الثلج عن رؤيا القلب، يأتي دائمًا كل ما هو دافئ وجميل… تماماً كما تبدأ براعم الزهر الصغيرة في الظهور منبئة بربيع قادم لا محالة… من بعد الشتاء…

رحاب رجائي
في 20 يناير 2012
Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: