February 2, 2013

عن فساد الأمكنة

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Books Reviews at 11:01 pm by Rou...

“ذلك الذي كانت فاجعته في كثرة إندهاشه.. وكان كل شيء يحدث أمام عينيه جديدًا يلقاه بحب الطفل، لدرجة أنه لم يتعلم أبدًا من التجارب..”

وقعت بين يداي وأنا أتصفح أوراقي منذ أيام مدونتي الشخصية لسنة 2011 لتسجيل مواعيدي… وجدت يوم الثلاثاء الموافق 25 يناير 2011 مكتوب به: “مظاهرات والله المستعان”… ضحكت، وأنا أتصفح باقي إرتباطاتي (المفترضة) في الأيام التي تليها من حقيقة أننا كنا نظن ببراءتنا في تلك الأيام أنها “ساعتين مظاهرات وهنروح”…

من ضمن ما وجدته كان موعد نشر عرض تحليلي لرواية فساد الأمكنة لصبري موسى في يوم 30 يناير، كواحد من الكتب الأربعة التي كنا نكتب عنها شهرياً في مجموعتنا الثقافية PTP… طبعاً بطبيعة الحال وبسبب تطور الأحداث في ذلك الوقت لم أكتب تلك المقالة أبداً…

لسبب لا أدريه قررت أن أكتب عن هذه الرواية- المختلفة جداً- الآن… قد يكون السبب تذكري فجأة لمدى تأثري بالرواية وقت قراءتها، أو ربما هي أحاسيسي المتضاربة في أعقاب الذكرى الثانية للثورة وما يصاحبها الآن من أحداث، ومقدار التشابه الذي أراه من تيمة الرواية الرئيسية (من وجهة نظري) مع واقعنا اليومي وسط مجتمع فاسد… أياً كان السبب فها أنا ذا أسترجعها في أعماقي…

فساد الأمكنة… عن الإغتصاب نتحدث… إغتصاب الطبيعة.. إغتصاب الصحراء والجبال والبحار.. إغتصاب الحرية.. إغتصاب الوطن.. وبطبيعة الحال، إغتصاب البشر..

بداية لا يمكن تجنب ذكر أن من أجمل ما يميز الرواية هو الأسلوب السردي البديع لكاتبها صبري موسى؛ المبهر بسلاسته مستحضراً روح الطبيعة والإنسان معًا، والذي يُمَكّنك بسهولة من التعمق في سحر المكان الذي إختاره لخلفية الأحداث، فتتوه معه في سراديب الجبال و البداوة… تغوص بكل كيانك داخل الكهوف.. تلمس صفرة الرمال، وتحترق بأشعة الشمس..

حول جبل الدرهيب بالصحراء الشرقية قرب حدود السودان تدور القصة المروِّعة؛ التي تشبه كثيراً الأساطير الإغريقية..
“لو أتيح للملمح أن يكون مرئياً لطائر يحلق عالياً، محاذراً في دورانه المغرور أن تصطدم رأسه المُريّشة بقمم الصخور ونتوءاتها، لرأي جبل الدرهيب هلالاً عظيم الحجم، لا بد أنه هوي من مكانه بالسماء في زمن ما، وجثم علي الأرض منهاراً متحجراً، يحتضن بذراعيه الضخمتين الهلاليتين شبه وادٍ غير ذي زرع، أشجاره نتوءات صخرية وتجاويف، أحدثتها الرياح وعوامل التعرية خلال آلاف السنين”

يصف صبري موسى كيف سحر المكان بطل روايته، ذلك الذي وصفه بأنه لا وطن له، فيقول:
“نيكولا يرتجف مهابةً وخشوعاً وقد استولى المكان على حواسه المضطرمة بالرغبة في التحليق.. وشعر بأنه يوشك أن يجد مكاناً يرغب في الإنتماء إليه.. يوشك أن يجد وطناً..”

تأخذك الرواية لجانب مظلم من النفس الإنسانية.. جانب به تناقضات تتمثل في التمسك بالحرية والسعي وراء سلام نفسي يحاربه دائماً شعور بالذنب قد يصل به أحياناً للبحث عن عقاب نفسي؛ في مأساة تذكرك كثيراً بأسطورة سيزيف… كلما ظننت أن عذابه قد شارف على الإنتهاء تعاد الكرة من جديد…

“يقف هناك نيكولا الذي لا وطن له عارياً ومصلوباً في الفراغ المتأجج الحرارة وحده.. تلفحه ريح الصحراء العارمة بين حين وحين.. فلا يمكنه أن يدخر منها ملئ قبضته.. كذلك يفعل نيكولا كل يوم”

تضعك الرواية باقتدار أمام الحقيقة المرة أن الإنسان في المدينة لا زالت تحكمه غرائزه البدائية برغم تقدم العقل البشري.. فلا يزال غارقاً فى صراعات دموية مبتعداً عن فطرته السليمة.. وقد يكون إختيار الكاتب للحياة البدوية بصفاءها ونقاءها كمسرح للأحداث محاولة منه لجعل الفطرة تنتصر على الغريزة… وإن كانت النفس البشرية لبعض أبطاله، برغم وضعهم في جانب المظلوم في القصة، فإنهم ظلوا يتحملون جانباً من الفساد تسبب في مأساتهم بصورة أو أخرى…

“إن مئات الخطايا الصغيرة التي نرتكبها بسهولة ويسر في المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين تتراكم على قلوبنا وعقولنا ثم تتكثف ضبابا يغشى عيوننا وأقدامنا فنتخبط في الحياة كالوحوش العمياء.. فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية.. ولكنهم في الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها، ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلاً، بينما تحتاج دروب الحياة في الصحراء إلى بصيرة صافية نفاذة لتجنب أخطارها.. إن الفضائل تمنحهم قدرة على الصفاء، فيمتلكون حساً غريزياً مشبعا بالطمأنينة، يضيء في عقل البدوي حين يضيع منه الطريق في رمال الصحراء الساخنة الناعمة فيهتدي في طريقه، وتجعل قلبه يدق له إنذاراً بالخطر وهو نائم في ليل الصحراء السحري حينما يقترب من جسده عقرب أو ثعبان.”

إن رواية فساد الأمكنة تضع قارئها في حالة تأمل مخلفة وراءها أسئلة بالغة العمق عن ثوابت و معان أولية مثل البراءة والخطيئة والجشع.. فتتساءل في حيرة عمن أفسد الأمكنة والأرواح… عن الإنسان الذي فسدت نفسه وفطرته فأفسد كل ما حوله…

رحاب رجائي
في 2 فبراير 2013
Advertisements

1 Comment »

  1. ragishokry said,

    رواية جميلة جدا قرإتها منذ ة طويلة ، يمكن في السبعينات وراعنى حالة الشك و عدم اليقين عند نيكولا الذى ظن أنه ضاجع ابنته


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: