February 2, 2013

عن فساد الأمكنة

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Books Reviews at 11:01 pm by Rou...

“ذلك الذي كانت فاجعته في كثرة إندهاشه.. وكان كل شيء يحدث أمام عينيه جديدًا يلقاه بحب الطفل، لدرجة أنه لم يتعلم أبدًا من التجارب..”

وقعت بين يداي وأنا أتصفح أوراقي منذ أيام مدونتي الشخصية لسنة 2011 لتسجيل مواعيدي… وجدت يوم الثلاثاء الموافق 25 يناير 2011 مكتوب به: “مظاهرات والله المستعان”… ضحكت، وأنا أتصفح باقي إرتباطاتي (المفترضة) في الأيام التي تليها من حقيقة أننا كنا نظن ببراءتنا في تلك الأيام أنها “ساعتين مظاهرات وهنروح”…

من ضمن ما وجدته كان موعد نشر عرض تحليلي لرواية فساد الأمكنة لصبري موسى في يوم 30 يناير، كواحد من الكتب الأربعة التي كنا نكتب عنها شهرياً في مجموعتنا الثقافية PTP… طبعاً بطبيعة الحال وبسبب تطور الأحداث في ذلك الوقت لم أكتب تلك المقالة أبداً…

لسبب لا أدريه قررت أن أكتب عن هذه الرواية- المختلفة جداً- الآن… قد يكون السبب تذكري فجأة لمدى تأثري بالرواية وقت قراءتها، أو ربما هي أحاسيسي المتضاربة في أعقاب الذكرى الثانية للثورة وما يصاحبها الآن من أحداث، ومقدار التشابه الذي أراه من تيمة الرواية الرئيسية (من وجهة نظري) مع واقعنا اليومي وسط مجتمع فاسد… أياً كان السبب فها أنا ذا أسترجعها في أعماقي…

فساد الأمكنة… عن الإغتصاب نتحدث… إغتصاب الطبيعة.. إغتصاب الصحراء والجبال والبحار.. إغتصاب الحرية.. إغتصاب الوطن.. وبطبيعة الحال، إغتصاب البشر..

بداية لا يمكن تجنب ذكر أن من أجمل ما يميز الرواية هو الأسلوب السردي البديع لكاتبها صبري موسى؛ المبهر بسلاسته مستحضراً روح الطبيعة والإنسان معًا، والذي يُمَكّنك بسهولة من التعمق في سحر المكان الذي إختاره لخلفية الأحداث، فتتوه معه في سراديب الجبال و البداوة… تغوص بكل كيانك داخل الكهوف.. تلمس صفرة الرمال، وتحترق بأشعة الشمس..

حول جبل الدرهيب بالصحراء الشرقية قرب حدود السودان تدور القصة المروِّعة؛ التي تشبه كثيراً الأساطير الإغريقية..
“لو أتيح للملمح أن يكون مرئياً لطائر يحلق عالياً، محاذراً في دورانه المغرور أن تصطدم رأسه المُريّشة بقمم الصخور ونتوءاتها، لرأي جبل الدرهيب هلالاً عظيم الحجم، لا بد أنه هوي من مكانه بالسماء في زمن ما، وجثم علي الأرض منهاراً متحجراً، يحتضن بذراعيه الضخمتين الهلاليتين شبه وادٍ غير ذي زرع، أشجاره نتوءات صخرية وتجاويف، أحدثتها الرياح وعوامل التعرية خلال آلاف السنين”

يصف صبري موسى كيف سحر المكان بطل روايته، ذلك الذي وصفه بأنه لا وطن له، فيقول:
“نيكولا يرتجف مهابةً وخشوعاً وقد استولى المكان على حواسه المضطرمة بالرغبة في التحليق.. وشعر بأنه يوشك أن يجد مكاناً يرغب في الإنتماء إليه.. يوشك أن يجد وطناً..”

تأخذك الرواية لجانب مظلم من النفس الإنسانية.. جانب به تناقضات تتمثل في التمسك بالحرية والسعي وراء سلام نفسي يحاربه دائماً شعور بالذنب قد يصل به أحياناً للبحث عن عقاب نفسي؛ في مأساة تذكرك كثيراً بأسطورة سيزيف… كلما ظننت أن عذابه قد شارف على الإنتهاء تعاد الكرة من جديد…

“يقف هناك نيكولا الذي لا وطن له عارياً ومصلوباً في الفراغ المتأجج الحرارة وحده.. تلفحه ريح الصحراء العارمة بين حين وحين.. فلا يمكنه أن يدخر منها ملئ قبضته.. كذلك يفعل نيكولا كل يوم”

تضعك الرواية باقتدار أمام الحقيقة المرة أن الإنسان في المدينة لا زالت تحكمه غرائزه البدائية برغم تقدم العقل البشري.. فلا يزال غارقاً فى صراعات دموية مبتعداً عن فطرته السليمة.. وقد يكون إختيار الكاتب للحياة البدوية بصفاءها ونقاءها كمسرح للأحداث محاولة منه لجعل الفطرة تنتصر على الغريزة… وإن كانت النفس البشرية لبعض أبطاله، برغم وضعهم في جانب المظلوم في القصة، فإنهم ظلوا يتحملون جانباً من الفساد تسبب في مأساتهم بصورة أو أخرى…

“إن مئات الخطايا الصغيرة التي نرتكبها بسهولة ويسر في المدينة ضد أنفسنا وضد الآخرين تتراكم على قلوبنا وعقولنا ثم تتكثف ضبابا يغشى عيوننا وأقدامنا فنتخبط في الحياة كالوحوش العمياء.. فالمدينة زحام، والزحام فوضى وتنافس وهمجية.. ولكنهم في الصحراء قلة، والخطايا الصغيرة تصبح واضحة تطارد من يرتكبها، ويصبح ضبابها على النفس أشد كثافة وثقلاً، بينما تحتاج دروب الحياة في الصحراء إلى بصيرة صافية نفاذة لتجنب أخطارها.. إن الفضائل تمنحهم قدرة على الصفاء، فيمتلكون حساً غريزياً مشبعا بالطمأنينة، يضيء في عقل البدوي حين يضيع منه الطريق في رمال الصحراء الساخنة الناعمة فيهتدي في طريقه، وتجعل قلبه يدق له إنذاراً بالخطر وهو نائم في ليل الصحراء السحري حينما يقترب من جسده عقرب أو ثعبان.”

إن رواية فساد الأمكنة تضع قارئها في حالة تأمل مخلفة وراءها أسئلة بالغة العمق عن ثوابت و معان أولية مثل البراءة والخطيئة والجشع.. فتتساءل في حيرة عمن أفسد الأمكنة والأرواح… عن الإنسان الذي فسدت نفسه وفطرته فأفسد كل ما حوله…

رحاب رجائي
في 2 فبراير 2013
Advertisements

November 23, 2012

الشوارع الجانبية للميدان

Posted in Arabic, Books Reviews, Revolutionary and Politician at 3:32 pm by Rou...

الشوارع الجانبية للميدان
شدني إسم الكتاب منذ اللحظة الأولى و أضاء غلافه شعلة بداخلي كنت أحسبها قاربت على الإنطفاء.. فمن كرسى جلدى قديم محطم، إلى حائط ملئ بآثار رصاص.. ومن كمامة ورقية مغطاة بالدم، إلى قنبلة غاز مسيل دموع ترقد فارغة على الأرض.. ومن رقم 25 البادي على الحائط المدمر كذكرى تأتي من بعيد على إستحياء، إلى يافطة (شارع عيون الحرية-محمد محمود سابقاً) التي تترك بداخلك ذات المرارة التي خلفتها العيون التي ذهبت فداءً للحرية.. ومن الصرخة الواضحة الصريحة التي تحمل في طياتها رسالة غضب على الحوائط الساكنة: “ثورة ياولاد الكلب”، إلى الزهرة الحمراء المروية بالدم، النامية في صمت وسط الحطام، معطية لمحة أمل قد يأتي بها المستقبل القريب/البعيد يوماً ما…

تخوفت من قراءة الكتاب في البداية لأسباب كثيرة؛ أكثرها صدقاً كانت محاولاتي اليائسة للنسيان، أو إن صح التعبير، محاولتي المضي قدماً بحياتي بعيداً عن ذكريات موجعة ومؤلمة بقدر بهاءها… وحين قرأته أخيراً بسبب إستعدادي لإدارة ندوة لمناقشته، وجدت الأحداث تعود بي كشريط سينمائي إلى الأيام الأولى للثورة… ولكنها لم تعيدني من المنطلق المعتاد في سرد الأحداث بتسلسلها الطبيعي الذي كثر إستخدامه حتى فقدت إحساسي به، بل على العكس؛ قد لا تشعر أنك تقرأ عن الثورة بقدر قراءتك عن حيوات ومشاعر أشخاص أثروا وتأثروا فاندمجت ثوراتهم الشخصية في ثورة البلاد.. حتى هؤلاء الذين تختلف حياتهم كلياً وجزئياً عنك، يضعك الكاتب في مواجهة مع أفكارهم وثقافتهم ويتركك أمام واقع وحيد يؤكد أنهم في النهاية بشر يجمعهم بك إنتماءهم لذات المكان والزمان، فترى جزء من نفسك في كل منهم، وتتفاعل مع حزنهم وشجاعتهم وفرحهم وغضبهم… فتسير في الشوارع الجانبية لحياة كل منهم، ترى وحدتهم وضعفهم وإختلافهم وتدهش في النهاية من قدرتهم على النهوض وعدم الإستسلام لدور الضحية… تفرقهم الحياة ويجمعهم الحلم المتمثل في الميدان؛ فترى من خلال معاناتهم ومقاومتهم معاناة ومقاومة بلد بأكملها؛ كأنك تنظر من ثقب باب على عالمٍ آخر موازٍ لعالمك، قريب منك مهما إبتعد…

على الرغم من مرور شهور طويلة على الأحداث المسرودة، إلا أنك تقرأها وكأنك تعيشها الآن.. قد يكون السبب هو عودة نوفمبر وذكراه المريرة.. وقد يكون السبب هو عودة الروح والحركة للشارع المصري في الأيام الماضية نتيجة الأحداث الجارية.. لن تفرق الأسباب كثيراً أمام حقيقة واحدة، أن متتالية طارق مصطفى القصصية تضعك في حالة ذهنية خاصة، تذكرك بحياة كانت أشبه بالمدينة الفاضلة؛ مكان وجدنا فيه تشابهاتنا برغم الإختلاف، زرعنا فيه الأمل وسط اليأس، مكان به كنا أنا وأنت وهو وهي سواء.. كنا مصر…

رحاب رجائي
في 23 نوفمبر 2012

July 22, 2011

أيام النوافذ الزرقاء

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Books Reviews at 12:50 am by Rou...

شدني كثيراً عنوان الرواية… فدائماً ما كانت ترتبط في ذهني النوافذ الزرقاء بحكايات جدتي عن أيام الحروب… فمن الحرب العالمية الثانية لعدوان 56 و من بعدهما النكسة، يظل العامل المشترك أبداً ودائماً هي الشرفة ذات النوافذ الزرقاء التي دائماً ما كانت تترك ذلك الأثر النفسي بداخلها، أنها تعيش كابوس لا يرحل عنها إلا برجوع النوافذ لشفافيتها… كذلك هو الحال مع جدة بطل الرواية السلسة جداً “أيام النوافذ الزرقاء”، التي كانت دائما ما تتذمر قائلة “روحي ها تتطلع” بسبب تحول لون الضوء الطبيعي إلي اللون الأزرق…

من خلال حديث شخصي ممتد بطول الرواية يأخذنا الكاتب عادل عصمت من تفصيلة لأخرى في رحلة تعرف و إكتشاف لتضاريس العالم الذي نشأ فيه من خلال ذكرياته عن أشخاص و أشياء… فمن الجدة إلى علبة الخياطة (علبة حلويات شركة كورونا) الملازمة لها، تتحول كل تفصيلة من شئ عابر إلي دلالات مهمة… ربما كان ذلك لأن البطل كان مهدداً بالعمي في صغره فكان لزاماً عليه أن يلاحظ التفاصيل ويختزنها في ذاكرته حتى إن جاء اليوم الذي يفقد فيه بصره يكون عنده صورة ذهنية كاملة للأماكن و الأشخاص و حتى الأشياء…

يتناول الكاتب – من خلال ذكريات طفولته وحكايات خاله – الواقع السياسي والإجتماعي لمدينة طنطا بشكل خاص ومصر بشكل عام في الفترة منذ نكسة 67، وحتى ما بعد إنتصار 73… فنتعرف معه على قصة مدينة و زمن وعلاقات إجتماعية وعائلية تحتل فيها الجدة مركز الأحداث والذكريات واضعة مسحة من الحزن و الشجن لن يفارقوك طوال صفحات الرواية… فالنوافذ الزرقاء هي علامة الحرب من النكسة ومروراً بحرب الإستنزاف التي أستشهد فيها الخال فؤاد وعاد منها الجار سامي وهو يهذي، والتي من وقتها وارت الجدة أحزانها على موته وهجرة إبنها الآخر نبيل برتق الملابس… وحين تخفي جارتها علبة الخياطة أخيراً، نستشعر إقتراب ميعاد رحيل الجدة عن عالمنا…

يحكي البطل عن خاله محمود قائلاً: “أصمت لأنني كنت أهدد في تلك اللحظة البناء الذي أقام عليه حياته. فهو يظن أنه يقيم بتلك الأفكار الشخصية ستاراً، روحاً فريدة لكي يبرر لنفسه إستمراره في حياة خالية…”، فتشعر على الفور أنه يصف خواء حياته هو في المدينة الخليجية الباردة التي يسكنها، نفس الخواء… وكما كانت الجدة تواجه الشدائد برتق الملابس، يواجه البطل الخواء بصورة جدته التي تسيطر عليه تماماً ويزداد حضورها في أحلامه…

عن الموت والرحيل يقول:

“بقيت غير قادر على تصديق أن ذلك الموت كان حقيقياً. كان رحيلاً، أمراً إختيارياً، لذا ففي أي لحظة يمكن أن يعود ذلك المسافر. ترسبت في وعي ذلك الصبي الذي كنته، تلك الفكرة بطريقة نهائية، لم أعد الآن قادراً على محوها، لم يعد أمامي غير إختلاق الأسباب والتفسيرات لها. أحياناً أجد نفسي متورطاً في إيجاد أساس عقلي لهذا الشعور الذي إستقر في وجداني وغدا مثل شعوري بالحياة. أجد نفسي أفكر: ألست بعد خمسة عشر عاماً في الشارقة مسافراً بالنسبة لخالي محمود، ماذا لو مت ولم يعرف بموتي، ألا أظل إلى الأبد مسافراً بالنسبة له؟ في أي لحظة يمكن للمرء أن يقطع سفره ويعود إلى موطنه، مثلما تعود جدتي في أحلامي بكثافة هذه الأيام، لتعزز فكرة أن الموت مجرد سفر. ألم يظل خالي نبيل مسافراً بالنسبة لها حتى موتها، وهو الآن في ألمانيا، لو لم يعرف خبر موتها ألا تكون بالنسبة له حية؟ وفي نهاية الأمر أليست روحها موجودة في مكان ما من هذا العالم، يمكن أن أصل إليها أو تصل إلي؟ ما الذي يجعلنا متيقنين على هذا النحو الساذج من وجودنا في العالم، وأن من رحلوا غير موجودين؟ أليست الصور القديمة لحياتين أكثر عقلانية وأشد إلتصاقاً بمشاعرنا عن الموت؟”

إن أيام النوافذ الزرقاء هي رحلة حنين لماضي ولى و محاولة إستعادته وفهمه لإضفاء معني علي خواء الحياة، وهي رحلة بحث عن الأمل بين غيمات اليأس…

رحاب رجائي

في 19 يوليو 2011

July 2, 2011

حكايات أمينة

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Books Reviews at 12:14 pm by Rou...

أذكر جيداً إنجذابي الشديد لصورة غلاف الكتاب التي دفعتني دفعاً لشراؤه في ذلك اليوم… ربما لأنني أضعف كثيراً أمام الصور الأبيض و الأسود لما تجلبه بداخلي من تخيلات و إفتراضات عن حياة كل شخص في الصورة…
وعلى الرغم من مرور عامان أو أكثر على قراءتي له، ظل ذلك الكتاب يمثل لي سحراً غير مبرر أو مفهوم… ربما لأنه يذكرني كثيراً بجدتي و حواديتها و طريقتها في الحديث و الحكي… لا أدري حقاً…

حكايات أمينة… هو إسم الكتاب…
و هو – إن صح التعبير – حدوتة كبيرة تحكي عن مدى تعلق الكاتب بجدته سارداً ذكرياته وذكرياتها من خلال 18 متتالية قصصية قصيرة تحمل بين جنباتها مشاعر كبيرة تتراوح ما بين الحب و الصداقة… الشيخوخة و الموت… الشعور بالغربة… و الحنين إلي الوطن…


حسام فخر… هو إسم الكاتب الموهوب جداً…
عرفت اليوم بالصدفة البحتة و أنا أبحث عن معلومات عن الكاتب أنه و ياللعجب إبن أخت صلاح جاهين… أي أن أمينة الجدة هي أم صلاح جاهين… فبدأت الأمور تأخذ تفسيراً مختلفاً… إذ أنه من الواضح أن موهبة هذه الأسرة متوارثة في الجينات…


فما بين سعد زغلول و عبد الناصر… وقصص الملك آرثر و قراءة القرآن… لن تتعجب أبدأً حين تجد نفس الشغف بداخلها… و بسهولة شديدة سوف توصلك معرفتك بأمينة للتفسير المنطقي لسحر كتابات صلاح جاهين…


من نهاية “حكاية البغبغان” يقول حسام فخر:
“واليوم لم يبق من سعد باشا إلا كلمتي “مفيش فايدة” و تماثيل برونزية تتوسط ساحات مدن مصر المختلفة، تنفث السيارات عادمها في وجهه وتتبرز عليه اليمامات و العصافير، وجدتي راقدة في مقابر الغفير التي تؤوي من الأحياء الذين ضاقت بهم الدنيا أكثر مما تؤوي من الأموات. و البغبغان محنط في متحف بيت الأمة الذي لا يزوره أحد، منقاره نصف مفتوح وقد تجمدت في حلقه كلمتا “يحيا الوطن”…….”


أعدك أنك منذ الصفحة الأولى وحتى الأخيرة سوف تجد جزءاً منك في الحكاية التي تقرأها… فحكايات أمينة هي حكايات شخصية تشبه حكاياتنا و طفولتنا و ذكرياتنا عن حواديت الجدات… ولسوف تعود بك الصفحات لذكرياتك الشخصية في ذلك العالم الساحر الذي ينطفئ نوره الساطع حين نكبر و لكن يظل سحره دائماً هو ما يربطنا بالماضي…


رحاب رجائي
في 1 يوليو 2011

April 17, 2011

أثر الفراشة لا يرى… أثر الفراشة لا يزول

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Books Reviews, Revolutionary and Politician at 2:31 am by Rou...

هل خطر ببال محمد سلماوي للحظة و هو يكتب روايته أجنحة الفراشة التي نشرت طبعتها الأولي في أوائل يناير 2011 أن أحلامه قد تصبح حقيقة في خلال أيام وأن روايته التي ظهرت طبعتها الثانية بالأسواق حاملة على غلافها جملة: “الرواية التي تنبأت بثورة 25 يناير” سوف تصبح بالفعل من الكتابات النادرة التي تنبأت بعاصفة الغضب (المستمرة حتى يومنا هذا) والتي أسقطت نظام مبارك في ثمانية عشر يوماُ…؟ لا أظنه فكر في أن حلمه قد يتحقق بهذه السرعة… ولكنه على الأقل كان مؤمناً بأفكاره في وسط أحداث كادت أن تفقدنا جميعاً إيماننا حتى بأحلامنا…

بسلاسة يأخذنا الكاتب في خطين متوازيين لحياة مجموعة من الأبطال تجمعهم في النهاية أحداث الوطن… فما بين روما وميلانو و باليرمو و القاهرة و طنطا… و ما بين ضحى زوجة أحد أعمدة رجال الحزب الحاكم و مصممة الأزياء الباحثة عن ذاتها و الناشط السياسي وأحد أقطاب المعارضة د. أشرف… والأخوين أيمن و عبد الصمد ولكل قصته وصراعاته التي تتباين ما بين بحث الأول عن أمه التي إكتشف بالصدفة أنها على قيد الحياة و محاولة الثاني الحصول على مستقبل أفضل بالرغبة بالزواج من شيخة كويتية، تأخذنا تطورات حياتهم بينما تتصاعد في الخلفية الإحتجاجات و التظاهرات على أرض الوطن…

إستهل سلماوي روايته بمقتطفات من قصيدة محمود درويش أثر الفراشة و مع بداية الأحداث يوضح للقارئ أن إسم الرواية مستوحى من نظرية تأثير الفراشة الشهيرة، فيقول على لسان د. أشرف: “إن نظرية تأثير الفراشة تثبت أن كل كائن مهما بدا صغيراً بإمكانه أن يؤثر في الكون” شارحاً لضحى أنه إستخدم هذه النظرية في الإثبات بالبرهان العلمي أن الفرد الأعزل يستطيع أن يحرك الأعاصير و يؤثر في الأجواء الكونية ويستطرد قائلاً: “هذه هي قوة المجتمع المدني”…

إذا كنت قد قرأت هذه الرواية بعد بداية الثورة فسوف تواجهك صعوبة في تصديق أنها كتبت قبل هذه الأحداث… فالحق أن السيناريو الذي كتبه سلماوي للإحتجاجات قريب إلى حد كبير من أحداث الثورة في مصر… بداية بالحديث عن وسيلة الإتصال بين مختلف التجمعات الشعبية التي لبت نداء العصيان المدني عن طريق الإنترنت و التليفون المحمول… و مروراً بأماكن التظاهرات بميدان التحرير وما حوله و تصريحات الحكومة و الحزب أن ما يحدث هو مؤامرة تحاك ضد مصر مدعمة من قوى خارجية هدفها زعزعة إستقرار البلاد و فرض حظر التجوال وعدم إلتزام الجماهير به… و نهاية بموقف الجيش بأنهم موجودون للدفاع عن أرض الوطن ضد الغزاة و المحتلين وليس لضرب المصريين…

إن أجنحة الفراشة هي رحلة بحث عن الذات و عن الوطن في الوقت نفسه من خلال أحداث شخصية و عامة تلتقي و تتشابك لتكتب مستقبل مجتمع بأسره…

رحاب رجائي

February 27, 2011

الحريات لا تُمنَح

Posted in Arabic, Books Reviews, Poetry Selections, Reflections, Revolutionary and Politician, Slang at 9:21 pm by Rou...

عارفين جملة عبد الرحمن الأبنودي في رائعته الميدان اللي كتبها عننا “إقتلني… قتلى ما هيعيد دولتك تاني… بكتب بدمي حياة تانية لأوطاني”…؟

أهي دي أول حاجة جت في بالي وأنا بتابع الأحداث الدموية والعنيفة و الجنونية اللي بتحصل في ليبيا…
أنا فعلاً مش فاهمة هل القذافي مجنون و لا بيستعبط…؟
مش قادرة أصدق منظرة و هو طالع لمدة 18 ثانية بالضبط عشان يقول إنه في ليبيا ومامشيش و هو راكب توك توك و ماسك شمسية… وزي ما نكون غلطنا إننا ضحكنا على قصر المدة، تاني يوم طلع في حديث لمدة ساعة و نص أقل ما يقال عنه إنه تخاريف في تخاريف… فاصل مضحك و مبكي في ذات الوقت مليان ب”جرذان وقطط” و “من أنتم؟ من أنتم؟” و “القاعدة” و “حبوب الهلوسة” و “الزحف المقدس” و “أنا المجد” وقراءات مسلية من الكتاب الأخضر منتهية كلها ب”إعدام”… حديث ممل و فاشل و مليان بالنرجسية و جنون العظمة لدرجة إن بعد ساعة الجزيرة قطعوا البث و قالوا نكتفي بهذا القدر من حديثه… كان ناقص يقوله من هلوسته… عامة الراجل ده كتب شهادة وفاته بالخطاب ده… يا هيتقتل يا هيتقتل… مش هيسيبوه كدة…


لكن الحقيقة إن مش ليبيا بس اللي مذهل اللي بيحصل فيها… العجيب فعلاً هو كل التحركات الشعبية اللي قامت و بتقوم و هتقوم في بلدان عربية كتيرة زي اليمن و الجزائر و المغرب… منهم بلاد ماكنتش أتصور تحصل فيها أي حاجة زي البحرين… و بلاد فيها حالياً دعوات لثورات في مارس زي قطر اللي لما شفت الصفحة بتاعتهم على فيسبوك أول سؤال سألته يا ترى يوم ما تحصل الجزيرة هتغطي الأحداث و لا هتغطي عليها…؟ مواقف زي دي هي اللي تبين مصداقية الإعلام… وزي السعودية اللي لما كنت بتكلم مع أخويا قاللي نظرية معقولة عن تصوره لثورتهم مبنية على قراءته لخماسية “مدن الملح” لعبد الرحمن منيف…


بإختصار شديد مدن الملح تحكي قصة تأسيس السعودية وثورة إكتشاف البترول وتأثيره على البلد… فيه جزء من الرواية بطله شخصية يمكن بسهولة تعريفها بأنها الملك عبد العزيز… ده الجزء اللي تقريبا مفيهوش أي خيال: مباشر جداً… باقي الرواية بتحكي إزاي تم عزل الطبقة الحاكمة عن باقي الشعب والوسائل اللي كان الملك بيستعملها عشان يضمن ولاء الناس… أهم حاجة إن الملك ده عمل جهاز زي أمن الدولة كده في مصر وظيفته إنه يحمي النظام… الجهاز ده إبتدى يعمل تقارير كتير عن الناس والمعارضين إلخ… الملك ساعتها قال للي ماسك الجهاز مامعناه: سيبك من كل الناس دي، دول أمرهم سهل والفلوس مفيش أكتر منها وحتسكتهم… الخطر الحقيقي على النظام من إخواتي الأمراء مش من الناس… هم دول اللي تراقبهم… وفعلا اللي حصل في الرواية إن حصل انقلاب عليه من أخوه و الناس طبلت وزمرت…


يعني من الآخر في السعودية، خصوصاً مع حالة الملك وولي العهد الصحية، التغير حيحصل من جوه الجيل التاني في الأسرة مش من الشعب… يعني غالبا انقلاب عسكري مش ثورة شعبية… نظرية برده…


الملفت للنظر جداً بقى في كل الأحداث دي هو ردود فعل الحكام… مابيتعلموش من بعض… نفس الإستهزاء و الجبروت في البداية… نفس التنازلات في النص… و نفس الخضوع و الإنكسار في النهاية… ردود فعل عقيمة… زي ما تكون حرب بين الكمبيوتر و الآلة الكاتبة…


ألطف خبر بقة كان موضوع إن الملك عبد الله عرض شراء الفيسبوك من مالكه و مخترعه… بجد شر البلية ما يضحك… الراجل جاب م الآخر… قالك فيسبوك و دوشة… إشتري و إردم عليه و خلص…
بجد ربنا يشفي…


المدون عبد الرحمن فارس كان ضيف شرف في إحتفالية قصر الدوبارة بالشهداء الأسبوع اللي فات… في آخر كلامه قال جملة يا ريت لو كل حاكم يفهمها…


قال: ‎”حكم الشعوب مش بالرصاص… حكم الشعوب بقلم رصاص”


يا شعوب وطني الأكبر… لازم السعي و لازم الإجتهاد…
إحنا الثورة… و إحنا الغضب… و إحنا أمل أجيال راحت و أجيال جاية…


خليكوا فاكرين… الحريات لا تُمنَح…


رحاب رجائي
في 27 فبراير 2011

December 20, 2010

Of Beginnings and Endings in Novels

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Books Reviews, English at 12:47 am by Rou...

An interesting topic about the beginnings and endings of novels that mostly affect us was opened on PTP, and I was so excited when Nerro mentioned the opening lines of my all times favorite novel “A tale of two cities” calling them the world’s best opening lines:

“It was the best of times, it was the worst of times, it was the age of wisdom, it was the age of foolishness, it was the epoch of belief, it was the epoch of incredulity, it was the season of Light, it was the season of Darkness, it was the spring of hope, it was the winter of despair.”


I couldn’t agree more, and in fact, since I am really biased to this novel and all its characters, I also find its ending lines that were uttered by its main hero and my favorite fiction character ever Sydney Carton affecting me the most… Preceded by a long imaginary thoughts of what might have been on his mind just before he went to the guillotine picturing how beautiful this place would be after the blood and anger of the French Revolution would reach its end, with the reader knowing how miserable Carton’s life had been, perhaps no end could have been better than these lines…


“It is a far, far better thing that I do, than I have ever done; it is a far, far better rest that I go to than I have ever known.”


One of the best ending lines from my opinion was also that of Bahaa Taher’s masterpiece “نقطة النور”… As if it puts an end to the loss, worry, drifting, and self seeking that invades you all over that novel through its characters, and leave you with this stunning fact… that after all, we’re all humans, and we’re all good at heart, and that love can actually heal your soul…


ـ حدثني ماذا يقول جدك عن الأرواح…؟
ـيقول كل الأرواح جميلة وكلها طيبة
ـ وهل قال لك يا سالم ما الذي ينقذ هذه الأرواح…؟
ـ نعم، قال الحب

Khaled Hosseini’s brilliant novel “The Kite Runner” too has one of the best closures from my point of view, with a long hoped for healing finally reached…


“‘For you, a thousand times over’, I heard myself say.
Then I turned and ran.
It was only a smile, nothing more. It didn’t make everything alright. It didn’t make anything alright. Only a smile. A tiny thing. A leaf in the woods, shaking in the wake of a startled bird’s flight.
But I’ll take it. With open arms. Because when spring comes, it melts the snow one flake at a time, and maybe I just witnessed the first flake melting.
I ran.
A grown man running with a swarm of screaming children. But I didn’t care. I ran with the wind blowing in my face, and a smile as wide as the Valley of Panjsher on my lips.
I ran.”


I can go on forever… so; I’ll just end my post with one of the most breathtaking beginning lines from my opinion, which actually forced me to finish the whole novel in 2 days… I’m talking about the starting lines of “الإعترافات” by Rabee’ Jaber…


“أبي كان يخطف الناس ويقتلهم. أخي يقول إنَّه رأى أبي يتحول في الحرب من شخص يعرفه إلى شخص لا يعرفه. هذا أخي الكبير. أخي الصغير لم أعرفه، أعرف صورته، أعرف وجهه، يشبهني في الصور ــ كان يشبهني ــ أكثر مما يشبه أخي الكبير. أسميه أخي الصغير وكنا كلنا في البيت نسميه ــ في رؤوسنا نسميه، حتى من دون أن نذكره ونحن نحكي، كانت صوره تملأ البيت ــ ماذا كنت أقول؟ أسميه أخي الصغير ولم يكن أخي الصغير ولكنه الصغير لأنه ظل صغيرًا، لأنه لم يكبر، لأنهم قتلوه وهو صغير.”

All the best,
Rou…

October 24, 2010

African Voices: Cry the Beloved Country!

Posted in Books - Fav. Selections, Books Reviews, English at 10:01 pm by Rou...

“Cry, the beloved country, for the unborn child that is the inheritor of our fear… Let him not love the earth too deeply… Let him not laugh too gladly when the water runs through his fingers, nor stand too silent when the setting sun makes red the veld with fire… Let him not be too moved when the birds of his land are singing, nor give too much of his heart to a mountain or a valley… For fear will rob him of all if he gives too much!”

We cannot really talk about African literature without tackling a classical masterpiece such as “Cry, the beloved country” novel written by the South African author Alan Paton in 1948, and screened into two movies in 1951 and 1995… This classical work is by far one of the most remarkable novels that carried a social protest against racism and the injustice structures of societies in Africa in general and South Africa in particular in the history of African Literature…


Taking place in the troubled and changing South Africa of the 1940s, the novel brilliantly gives its readers the feeling of a mysterious connection to three main threads; the land, an old black rural priest searching in a corrupted city for his son, and an old white rural man confronting the loss of his son… In search of missing family members, Zulu priest Stephen Kumalo leaves his village to cross the gloomy city of Johannesburg… With his sister turned prostitute, his brother turned labor protestor, and his son, Absalom, arrested for the murder of a white man, Kumalo struggles to bring his family back from the edge of destruction as the racial tension throughout Johannesburg hold back his attempts to protect his family…


“This is no time to talk of hedges and fields, or the beauties of any country… Cry for the broken tribe, for the law and the custom that is gone. Aye, and cry aloud for the man who is dead, for the woman and children bereaved. Cry, the beloved country, these things are not yet at an end…”


One of the interesting things in the novel is the symbolic role that the Church played, from my point of view, representing a faith that is unpretentious… With its holey roof, the church seemed to offer little shelter, yet still had this ability of holding ceremonies nonetheless…


The novel is full of bitterness sugarcoated with a slight ray of hope that can be noticed throughout all its chapters, I quote some of its bitter sweet words below…


“In a land of fear, this incorruptibility is like a lamp set upon a stand, giving light to all that are in the house…”


“I have learned that kindness and love can pay for pain and suffering…”


“One thing is about to be finished, but here is something that is only begun…”


“I see only one hope for our country, and that is when white men and black men, desiring only the good of their country, come together to work for it… I have one great fear in my heart, that one day when they are turned to loving, they will find we are turned to hating…”


It is well worth mentioning that, amongst all his works, Paton has two other novels, “Too Late the Phalarope” (1953) and “Ah, but Your Land is Beautiful” (1981), as well as a short stories collection, “Tales From a Troubled Land” (1961), that dealt with the same racial themes that concerned the author in his first novel…


“Cry, the Beloved Country” is a profoundly compassionate story that is written in such a way that touches its readers’ hearts deeply leaving them no option but to sympathize, share, and get emotionally involved with each of its characters’ lives… It is a pure classical African tale that inspires a new faith in the pride and dignity of mankind…


Rou…

June 29, 2010

On what was once a beautiful homeland…

Posted in Books Reviews, English, Revolutionary and Politician at 11:44 pm by Rou...

For some reason I had to rewrite the previous post in English…


I finished lately reading the Arabic translation of “The man in the white Sharkskin suit” novel, whose Arabic title is way closer to my heart, which can be literally translated into: “Chronicle of the exodus of a Jewish Family off Egypt”…


I had intended to postpone reading this book until I am in a much better emotional state of mind than the one I am in these days, but since I was in the process of preparation for its discussion on PTP last Sunday, I had to read it… and, predictably, it added grief to my already burdened heart on a homeland that used to be and another one that we are living in, and on people that used to be, and others that exist now…


I must admit first that I am not accustomed, at all, to reading translated books, because I always believe that reading a book in its original language gives me the opportunity to sense and feel its words in a much deeper and meaningful way, because no matter how good the translation is, they always lack something, an idea, a feeling… But this time it was a different situation really… for, to my own surprise, I enjoyed reading its Arabic version tremendously and there were moments that I felt it was originally written in Arabic…


May be the reason behind this, as the publisher Mustafa Tanani said during the discussion, that this book affects us as Egyptians more than it affects any other nationality, and hence its Arabic wording was taken care of in a literary way… In fact, to a large extent, I find his words right… See, even though I am much younger to have seen or lived the Cosmopolitan Cairo described in the book, but I was overwhelmed with strange nostalgic feelings towards a country that does not resemble anything where I live now except its name perhaps… Cairo… which was once upon a time the capital of the world, a place where “the other” was generously accepted, just the way he is… But that was a pre-1952 Egypt… When a friend of mine asked me before, if I ever got the chance to choose the time and place to live in, what would be my choice… I answered “Cairo in the Forties”… The moment I started reading the book, I knew I had the correct answer on my mind that day!


I do not think I will ever forget the cry of a father on the back of the boat departing from Alexandria “Take us back to Egypt”… Neither will I stop remembering the lump in my throat when I imagine myself for a moment being forced to sign a form “Departure with no return” with a pledge to leave Egypt and never come back… I will never forget the bitterness that accompanied my reading to the word “non-specific nationality” or “Stateless”…


I will never forget the dream that I experienced in the first part of the novel… a dream of a country that was once the most beautiful place in the world, only to wake up at the end with the bitter question of the writer; where is the marvelous Cairo that her father adored and because of which retained a small suitcase in his room just in case he would ever get the chance to return to it somewhere in time…?


A dear friend of mine told me once that Egypt is like an old ugly woman that was once the world’s queen of beauty…


Chronicle of the Exodus of a Jewish Family off Egypt is in fact the Chronicle of the collapse of values, ethics, and culture of a nation… and it is really the story of love and belonging to a homeland that, sadly, had turned into ruins…


May God be with you my bitter sweet Egypt…


Rou…

June 27, 2010

عن وطن كان – وقائع خروج أسرة يهودية من مصر

Posted in Arabic, Books Reviews, Revolutionary and Politician at 11:58 pm by Rou...

إنتهيت مؤخراً من قراءة الترجمة العربية لكتاب “The man in the white Sharkskin suit” و التي تحمل نسخته العربية إسم أقرب إلى قلبي كثيراً وهو “وقائع خروج أسرة يهودية من مصر”…

كنت قد نويت أن أؤجل قراءتي لهذا الكتاب لفترة أكون فيها أفضل حالاً مما أنا عليه الآن… ولكن نظراً لاستعدادي لندوة مناقشته في PTP اليوم، فكان لازماً علي أن أقرأه… وكما توقعت مسبقاً أضاف حزناً جديداً على قلبي المثقل بالهموم… من وطن كان… وآخر أصبح… وشعب كان… وآخر أصبح…


يجب أن أعترف أولاً أنني غير معتادة على الإطلاق على قراءة الكتب مترجمة… فدائماً ما أشعر أن قراءة الكتاب بلغته الأصلية تتيح لي الفرصة بأن أستشعر الكلمات والمعاني بصورة أقوى، لأن مهما كانت قوة الترجمة، فدائماً ما ينقصها شئ… ولكن هذه المرة كان الوضع مختلف حقاً… فلدهشتي إستمتعت متعةً غير مسبوقة أثناء قراءته، وكادت أن تمر علي لحظات أشعر فيها أن الكتاب قد كتب حتماً باللغة العربية، وإلا فكيف لي أن أشعر بالكلمات بهذه الدرجة…


قد يكون السبب وراء ذلك، كما قال الناشر مصطفى الطناني في الندوة اليوم، أن هذا الكتاب يمسنا أكثر مما يمسهم… والحقيقة أنه إلى حد كبير على حق في جملته تلك… فأنا على الرغم من عدم معايشتي للقاهرة الكوزموبوليتانية‏ التي تحكي عنها الرواية، إلا أنني غمرتني حالة عجيبة من الحنين لبلد لا تحمل من الشبه لتلك التي أعيش بها الآن إلا الإسم… القاهرة… التي كانت في يوم ما قبلة العالم والتي كانت تقبل الآخر كما هو… قاهرة ما قبل إثنين وخمسين… حين سألتني صديقة في يوم ما إذا كانت لديك فرصة إختيار الزمان و المكان لكي تعيشي فيهما، فأين و متى؟ كان جوابي حين ذاك “القاهرة في الأربعينات”… حين بدأت قراءة الرواية، تأكدت من صحة إجابتي في ذلك اليوم البعيد…


لا أعتقد أبداً أنني سأنسى صرخة الأب وهو على ظهر المركب المغادر من الإسكندرية “رجعونا مصر”… ولا الغصة في حلقي وأنا أتخيل نفسي للحظة في مشهد أضطر فيه للتوقيع على إستمارة “خروج بلا عودة” في تعهد مني بمغادرة مصر وعدم الرجوع إليها أبداً… ولا إحساس اللاهوية المرير الذي صحب قراءتي لكلمة “جنسية غير محددة” أو “Stateless”…


لن أنسى الحلم الذي عشته في أول الرواية و المتمثل في بلد كانت في يوم ما أجمل بقاع الأرض، والذي أفقت منه في آخرها وإزداد تعجبي مع تساؤل الكاتبة المرير أن أين ذهبت القاهرة التي عشقها والدها والتي إحتفظ بسببها بحقيبته الصغيرة المهيأة للسفر والعودة إلى حضنها في يوم ما…


صديق عزيز قال لي يوماً أن مصر كامرأة عجوز شمطاء كانت في يوم ما جميلة الجميلات…
إن وقائع خروج أسرة يهودية من مصر لهو في حقيقة الأمر وقائع إنهيار قيم وأخلاق و ثقافة بلد… وهو حقاً قصة عشق وإنتماء لوطن لم يبق منه إلا أطلال…


لك الله يا مصر… وربنا يجازي اللي كان السبب…


رحاب رجائي

Next page