July 21, 2012

السائق

Posted in Arabic, Short Story at 11:17 pm by Rou...

إنطلق مسرعاً في الشوارع المجاورة لمقر عمله هائماً بلا هدف…

أبعد هذا العمر يرحل…؟ أبعد سنوات الخدمة يتخلون عنه بهذه السرعة…؟
لم يعرف مهنة غيرها… السائق الخاص لمديري الشركة الكبيرة المشهورة الواقعة في أطراف المدينة المزدحمة… دارت الأيام عليه بأربعة مديرين مختلفين وظل هو دائماً وأبداً سائقهم الخاص الأمين… أهكذا ينهون خدمته بهذه السهولة لمجرد وصوله للستين من عمره…؟

لم يحسب حساب هذا اليوم… لم يراه قادماً بهذه السرعة…
تقدم بثلاث طلبات لمد خدمته قوبلوا جميعاً بالرفض… أنهوا أوراقه اليوم أخيراً وسلموه ملف خدمته…
ماذا تراه يفعل الآن…؟ ماذا يفعل بحياته وقد ظلت بطول سنوات عمره تدور في فلك العمل…؟
أتراه ينهي ما تبقى من عمره جالساً على المقهى المجاور لبيته يتصفح الجريدة مثل ذلك العجوز الذي مر من أمامه…؟

داهمته الأفكار المختلفة لحياة رتيبة وهو ينحرف يميناً عابراً التقاطع الشهير الذي لا يكاد يخلو من الإزدحام المروري في هذه الساعة من اليوم، ولم يفق إلا على صوت فرملة عنيفة وسباب…

رأى أمين الشرطة يأتي من الزاوية الأخرى من الشارع وسائق السيارة يترجل منها من خلفه مكملاً سبابه، فأخرج من حافظته رخصة القيادة وهو يغمغم: “آسف يا حضرة الأمين، ده أنا بقالي 40 سنة سواق وعمري ما عملت حادثة…”، ثم أكمل وهو ينظر إلي الشاب الغاضب من خلفه: “سامحني يابني.. كسرت عليك من غير إشارة…”

تبادل ضابط المرور والشاب نظرة صامتة أعقبها صوت الشاب هامساً وهو يربت على كتفه: “قدر ولطف يا حاج.. إبقى خلي بالك وإنت بتعدي الشارع على رجليك بعد كدة.. أو الأفضل تستنى إشارة المشاة في الميادين الكبيرة اللي زي دي”

رحاب رجائي
في 21 يوليو 2012
Advertisements

January 21, 2012

بعد الشتاء

Posted in Arabic, Short Story at 2:08 am by Rou...

برد قارس يأتي به الشتاء هذا العام… لكم تعشق هذا الجو، حتى أنها إختارت عشرات المرات أن تسافر للبلاد الأوروبية الشمالية في هذا الوقت من العام فقط ليتسنى لها الاستمتاع بهذه البرودة، وإن كان هذا العام لم يحالفها الحظ لترتيب رحلتها السنوية فكأن القدر إختار تعويضها بشتاء لم تعهده من قبل في مصر…

لكم هو رائع إحساس الدفئ في مثل هذه الأيام؛ فكرت وهي تحارب لكي تتسلل من بين الأغطية لتذهب لعملها… قاطع أفكارها صوت بائع الليمون في الشارع الذي لا يمل من المرور في هذا التوقيت يومياً، فضغطت على الزر السحري بجهاز التحكم عن بعد القابع على المنضدة الصغيرة بجانبها لتنطلق موسيقى باخ المفضلة لديها في أركان شقتها الواسعة ماحية أصوات الشارع الضوضائية عن سمعها… تحركت أخيراً من سريرها بعد محاولات كسولة، متناولة الروب الصوفي الذي أتت به من لندن العام الماضي وهي تفكر في حسرة متى يأتي الوقت الذي تستطيع ترك هذه الشقة والرحيل إلى مكان أكثر هدوءاً…

ملأت المغطس بالمياه الساخنة وهي تمد يدها لتناول زجاجتان من سائل الإستحمام واحد برائحة جوز الهند الممزوج بزبدة الكاكاو والآخر برائحة العطور الإستوائية، مستنشقة كل منهما على حدا، ثم ما لبثت أن سكبت من الزجاجة الأولى مذكرة نفسها أنها شارفت على الإنتهاء وأن عليها أن تراسل صديقتها بفيينا لتبعث لها بواحدة أخرى في أجازتها القادمة… جلست على الطرف تستمتع بالدفئ النابع من بخار الماء المشعب بالرائحة الذكية، ثم تسللت بهدوء إلى المياه الساخنة مغمضة عينيها تتلذذ بالجو العذب لذلك الصباح البارد… الملئ بالدفئ…

في غرفتها، وقفت طويلاً أمام دولاب ملابسها لتختار ما تذهب به للعمل اليوم… البنطال البني الذي تتخلله خيوط طولية والكنزة الوردية الذي أتت به من روما، أم التنورة السوداء المضلعة والقميص بترولي اللون الذي هاداها به عند عودته من براج الشهر الماضي…؟ فكرت كثيراً ثم إستقرت في النهاية على البدلة الرمادية متذكرة أن عليها أن تحضر إجتماع اليوم مما يتطلب ملابس أكثر رسمية… إرتدت ملابسها واضعة لمسات خفيفة على وجهها، فهي تحبه أكثر صفاءاً في الصباح… ربطت وشاحها الأحمر القاني، ولم تنس أن تضع عطرها الباريسي الصباحي المفضل… تأكدت من نقل مقتنياتها في حقيبة تتناسب مع ملابسها ثم تناولت المعطف الثقيل الذي إشترته من كندا في آخر زيارة لها… مناسب أكثر لهذا الصقيع… فكرت وهي تغادر منزلها…

جلست في هدوء تقلب بين محطات الراديو المختلفة وهي تنتظر إنتهاء الحارس من مسح ما تبقى من آثار أمطار الليلة الماضية عن زجاج سيارتها، حتى إستقرت على محطة الموسيقى الكلاسيكية المفضلة لديها… إنطلقت بالسيارة وهي تستمتع بإحساس الهواء البارد على جسدها الدافئ…

لماذا يا رب كتب علي أن أعبر هذا السوق كل يوم… فكرت في ضيق وهي تعبر في الشوارع الجانبية المليئة بالباعة الجائلين خلف منزلها، مغلقة النافذة حتى لا يخرجها هذا القدر من الضوضاء عن إعتدال مزاجها… إنطلقت في الشوارع المزدحمة وهي تتساءل أن يا ترى أي ميعاد من اليوم لا تتكدس فيه العربات بهذا الشكل؛ فأياً كان ميعاد نزولها، دائماً ما تأخذ ضعف الوقت المفترض أن تأخذه في الطريق للعمل…

إنطلقت في طريقها حتى وصلت لذلك التقاطع الشهير في قلب الحي المزدحم، وكعادة كل يوم على مدار الثلاثة أشهر الماضية، توقفت السيارة عن السير تقريباً بسبب تكدس طوابير الناس أمام منفذ بيع أنابيب البوتاجاز، وللمرة الثانية في نفس الأسبوع كادت أن تصدم إمرأة تعبر الطريق حاملة أنبوبة بوتاجاز على كتفها الأيمن، وطفلة رضيعة على كتفها الأيسر… مالهؤلاء البشر يعبرون الشوارع بدون نظر! إذا كانوا يريدون الموت فليفعلوا ذلك بعيداً عني… فكرت في حنق وهي تضغط كباح السيارة بأقصى قوتها، وإن هالها أكثر ما هالها نظرة اللامبالاة التي رمتها بها السيدة وهي تصعد الرصيف…

وصلت للتقاطع الأخير قبل الإنحراف يميناً لمكان عملها… ينتابها شعور غريب وهي تنتظر دورها في إشارة المرور تلك منذ يومين… شئ ما مختلف… شئ ما ينقص لا تدري كنهه… كل يوم تتساءل هل نسيت حاسوبها المحمول في البيت… كلا… ها هو ذا يقبع في الكرسي الخلفي… وها هو هاتفها في مكانه أيضاً… مرة أخرى أجبرت نفسها على التغاضي عن إحساسها العجيب وأكملت طريقها للعمل وهي تتجنب النظر كعادتها لبائع المناديل على الناصية…

في المكتب قضت اليوم بين المشكلات والنقاشات والإجتماعات المعتادة وإن لم تفارق ذهنها نظرة اللامبالاة في عيون المرأة التي كادت أن تصدمها في الصباح… لم تعطي الكثير من الإنتباه لطوابير البوتاجاز من قبل… في أول ظهورها فقط، ولكن مع الأيام أصبحت الصورة عادية… والإنسان يتعود على الأشياءالغريبة فتفقد معناها بعد فترة… ولكن اليوم… نظرة تلك السيدة أثارت بداخلها الرعب… هل أفقدتهم ضغوط الحياة حتى قدرتهم على الشعور بالخطر…؟ تساءلت في صمت…

في طريق العودة هاتفته لتأكيد موعدهما في الأوبرا في المساء… نادراً ما تقود سيارتها مرتدية المعطف، حيث يقيد حركتها أثناء القيادة، ولكن البرد كان قارصاً حقاً اليوم، فارتدته وهي متضررة من ثقله… تأخذ في طريق عودتها طريقاً مختلفاً عن طريق الصباح لكي تمر على النادي الرياضي حيث موعد تدريبها اليومي… ركنت سيارتها في الصف المخصص وترجلت منها في إتجاه البوابة، فقط لتلمح بطرف عينيها إمرأة نائمة على الرصيف المقابل في الهواء الطلق… إقتربت منها قليلاً وهي تضم معطفها… لم تتحرك السيدة من وضعها… تأملتها قليلاً… ترتدي جلباب أسود لا يبدو ثقله كافياً لتحمل تلك البرودة القاسية، ولا تستطيع حتى أن تجزم إن كان ذلك لونه الأصلي أم أن القذارة التي تحيا في وسطها لها النصيب الأكبر في لونه… ظلت على شرودها تحدق بالمرأة قليلاً ثم تركتها وعادت لسيارتها.. لم تدخل النادي الرياضي، بل إنطلقت ناحية التقاطع المجاور لمكان عملها…

وصلت لمكان الإشارة وترجلت من السيارة تبحث عن غايتها… أخذت تتجول قليلاً حتى وجدته جالساً على رصيف بجوار كشك السجائر… بائع المناديل… إقتربت منه…
– مساء الخير
– سالنور ياست هانم.. أي خدمة، الكيس بنص جيني
– لأ شكراً… عايزة أسألك على حاجة بس
– أأمري
– كان في راجل عجوز هنا بيقف في الإشارة… بيبيع نعناع… بقالي يومين مش بشوفه… ماتعرفش هو فين؟
– آه… عم إسماعيل… تعيشي إنتي يا ست
– إيه!!!!
– مات.. لاقيناه من كام يوم الصبح عند عمود النور اللي هناك ده مش حاطط منطق…
– ………………
– مش عايزة مناديل يا مدام؟
– ………………
– يا مدام… طب نفعينا يا مدام

عادت لسيارتها وصمت غريب يخيم عليها… وهي تفكر كم هو عجيب أمر الإنسان… كيف لا يدري المرء بالبشر من حوله أحياناً على الرغم من رؤيته لهم يومياً… يرى الإنسان ما تتعود عيناه على رؤيته، ومع الزمن يتعلم أن يضع ما لا يهمه في خانة الصفر، فلا يبذل حتى المجهود في رؤيته… كيف يعيش البشر في نفس المكان ومع ذلك تفصل بينهما تلك الفجوة في العوالم… فتتضرر هي من الضجيج في الشارع ومن إزدحام الطرق ومن إرتداء ملابس ثقيلة في الشتاء وتتفرج على العالم من خلف زجاج نافذة يقوم بتنظيفها شخص آخر في صباح بارد، ولا تعي ما هية الحياة في العوالم الأخرى… البعض يظل متقوقع في عالمه الخاص… والبعض يزيل القدر الغشاوة عن عينيه في لحظة صدق، ليعي ما يحياه الآخرون خارج دائرته ويشكر من وهبه تلك النعم…

هي الآن تعلم… تعلم أنها تستطيع أن تزرع الأمل في نفسها ونفوس من حولها وأن تحارب حتى لا يتحول من رأتهم اليوم لأول مرة بعين جديدة إلى عادة تنساها مع الوقت… تعلم أنه عندما يذوب الثلج عن رؤيا القلب، يأتي دائمًا كل ما هو دافئ وجميل… تماماً كما تبدأ براعم الزهر الصغيرة في الظهور منبئة بربيع قادم لا محالة… من بعد الشتاء…

رحاب رجائي
في 20 يناير 2012

November 16, 2010

صورة زفاف

Posted in Arabic, Reflections, Short Story at 4:52 am by Rou...

لم أبلغك أبداً أنني أدمنك…

لم ولن تعرف أبداً كم عدد المرات التي أبحث فيها عن صفحتك على الفيسبوك في اليوم الواحد… فقط لأتجول بين صورك وأنا أمني نفسي أني سوف أجدك وقد مسحت صورة خطوبتك…


كل يوم عشرات المرات…


واليوم فقط وجدتك وقد وضعت صورة مختلفة…
صورة زفافك…


أعرف هذه الإبتسامة المصطنعة… لسنوات رأيتك تضعها على شفتيك حين تتواجد في جمع لا تتقبله… لماذا لست سعيداً بحق السماء…؟
أعرف أنك لن تصدقني ولكن أقسم لك أنني كنت أتمنى أن أرى تلك النظرة المليئة بالحياة والفرحة في عينيك… تلك النظرة التي طالما أغرمت بها… لم يكن عندي إعتراض أن تكون تلك النظرة لأخرى… كنت أفكر أنه على الأقل أحدنا سيكون سعيد حقاً…
ولكني… لم أراها…


أهاتف صديقتنا المشتركة فتهدئ من روعي قليلاً وهي تحاول فتح صفحتك، فقط لتفاجئ أنك حذفتها… تقسم لي أنك حتى الأمس كنت في قائمة أصدقاءها…
أنهي المكالمة وأنا أتساءل برجفة مؤلمة… هل حقاً هو ما أفكر فيه…؟ هل حذفتها قبل أن تضيف صورة زفافك حتى لا تراها فتبلغني الخبر…؟


أذكر في آخر حديث لنا حين قلت لك أنني أصابني ما يشبه الإنهيار حين علمت بخبر خطوبتك… وحين سألتني عن كيفية معرفتي قلت لك أن صديقتنا المشتركة تلك هي من رأت صورتك فأخبرتني… لازلت أذكر نظرة الألم في عينك و المرارة في كلماتك وأنت تتمتم بصوت خفيض: “وهي قالت لك ليه بس!”…


هل حقاً كنت تفكر في…؟ وإن كنت تفعل فلماذا إذن كان البعد…؟ ولماذا كان العند…؟
لماذا مضيت قدماً وأنت تعرف أن قلبك معي…؟ كيف يمكن أن تعيش معها بجسدك فقط…؟


منذ سنوات حين تركنا بعضنا البعض لأول مرة… صديقة عزيزة قالت لي: “كله بيعدي… بنبقى فاكرين إن الزمن حوالينا بيمشي والألم بس هو اللي ثابت جوانا… بنقف كل فترة والتانية ندعك في عنينا ونقول: هو اللي حصل ده حقيقية؟! بس من رحمة ربك إن كله بيعدي”…


لسبب لا أدريه لا شئ في قصتنا يبدو أنه “بيعدى”…
فلا يزال حبي لك شديد… و ألمي أشد…
ولا يزال إحتياجي لك شديد… و ضعفي أشد…


ولازلت أنا… أنا…
ولا زلت أنت… أنت…


مبروك الجواز…


رحاب رجائي
في 16 نوفمبر 2010

September 20, 2010

أمس إنتهينا

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Short Story at 12:53 am by Rou...

لأول مرة أفقد خيط البداية… لا أستطيع أن أضع يدي على تلك اللحظة الفاصلة التي إتخذت فيها القرار… أكاد ألا أصدق أنني حقاً نفذته بهذه القوة… من أين أتيت بهذه القسوة…؟

ولكن… كلا… أنا لم أقسو عليك… لقد جنبت عواطفي وفكرت بعقلي… هذا ما حدث…


على مدار السنوات الماضية كان تساؤلي الدائم لنفسي عند كل بعاد بيننا هو… هل الحياة في البقاء معك أم الرحيل عنك…؟ ودائماً وأبداً ما كنت أكرر على مسامع نفسي أنه “قد يكون الموت في الرحيل وليس في البقاء”*… حتى حدث ما حدث…


ألم أعد أحبك…؟ لا أستطيع أن أجزم… ولكن ما أعلمه عن يقين أنني لم أعد أحترمك… نعم لقد سقطت من نظري… في لحظة معينة إنهار جدار الثقة الذي لم يهتز من قبل أبداً برغم كل ما حدث بيننا…


“لما يرجع لحبه الأولاني ما تبقاش خيانة”


تخترق أفكاري جملة صديقتي في محاولات منها لإيجاد المبررات لك… ولكن لا… فأنا أكره الخيانة… ولا أستطيع تحملها ولا غفرانها… حتى وإن لم تخني أنا… فقد خنت نفسك… وخنتها…


الآن تريد العودة…؟ بعد شهر من زواجك بها…؟ أتذكر آخر حديث بيننا من شهور…؟ أتذكر حين سألتك ذلك اليوم فيمن تفكر حين تأخذها في حضنك؛ في أم فيها…؟ لم تستطع الرد يومها وانصرفت… ولم تظهر حتي الأمس…؟ لماذا الآن…؟ هل إشتقت إلي…؟ أم مللتها…؟ أم أنك حقاً كنت تظنني سأقبل بالدور الثاني لحبيبة ترضي بها غرورك ورجولتك الزائفة…؟


أتدري يا صديقي… أشياء كثيرة في هذه الدنيا تذهب وتعود… وأشياء أكثر تذهب ولا تعود… والإنسان لا يدري حقاً مدى قدراته و صموده حتى يكون في قلب الموقف و الحدث… والأيام قد أثبتت لي بما لا يدع مجالاً للشك أنني أقوى بكثير مما كنت أظن…


فإذا كان لنا مع الرحيل موعد فقد حان موعده وما كان له إلا أن يحين… فأحياناً يكون الرحيل أصدق من البقاء… و حتى لا أفقد إحترامي لذاتي كما فقدت إحترامي لك… فقد إنتهى الأمر…


قد لا أستطيع كرهك… فمن يحب لا يكره…
وقد أظل أبحث عن وجهك بين الوجوه… في كل مكان أقصده… في كل طريق أسلكه… في كل حرف أكتبه…
قد لا أمل التفتيش عن إبتسامتك بين كل الضحكات من حولي…
وقد أشتاق لصمتك وسط حياتي الصاخبة…


ولكني… أبداً… لن أعود…


أمس إنتهينا…


رحاب رجائي
في 19 سبتمبر 2010


* رضوى عاشور من رائعتها ثلاثية غرناطة

August 31, 2010

ضعف

Posted in Arabic, Short Story at 11:38 pm by Rou...

 
يرن هاتفي المحمول بنمرة غريبة… ألتقطه و بصوت نصف نائم أرد…


– نايمة؟


ترتفع نبضات قلبي صارخة لحظة سماع الصوت المحبب إلى قلبي… أتلعثم وأنا أحاول إلتقاط أنفاسي والسيطرة على نبضات قلبي… يخرج صوتي متحشرجاً…


– لأ… يعني… مين معايا…؟


بهدوء وثقة من خبرني على مدار السنين يأتي صوتك…


– إنتي بجد مش عارفة صوتي؟


أود أن أصرخ… أعرف صوتك؟ “أعرفه”… إن المعرفة لهي كلمة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تصف ما أنا فيه… فأنا لا أعرف صوتك… لا أسمعه… أنا أشعر به… أحيا به و أتنفسه… صوتك الذي كان ولا يزال يأتي بسحر الأيام معه، صوتك الذي يرد بروحي الروح…


أهمس بصوت يكاد ألا يكون مسموعاً…


– لأ… أصل… أصل النمرة ماعرفهاش…


ترد بسرعة من كان ينتظر السؤال…


– آه… دي نمرتي الجديدة… خليها عندك…


تبدأ في السؤال عن أحوالي… دائماً ما يحمل صوتك نبرة الهدوء والثقة… فأنت تعلم أنك كنت وستظل دائماً صاحب اليد العليا في هذه العلاقة التي إستنزفتني بكل ما تحمله الكلمة من معان… إستنزفت طاقاتي وأعصابي و بالرغم من ذلك لا أقاوم الرجوع إليها كلما أردت أنت ذلك…


– مش عايزة تسلمي على العربية مرة أخيرة قبل ما أبيعها؟


يكاد أن يتوقف قلبي من الجملة… تنتابني مشاعر متناقضة ما بين الحنين و الحزن… حنين لأيام و ذكريات لنا معاً… و حزن على حب عمر لم يكتمل…


أعجز عن الرد وأنا أقاوم التفكير في حقيقة أنني لن تعود عندي القدرة على الإطمئنان عليك كما كنت أفعل… و أسائل نفسي في سكون… عن ماذا يا ترى سوف تظل عيناي تبحث وأنا أتجول في الشارع الذي تسكنه…؟ كيف أسير هناك في الصباح الباكر و لا أجد سيارتك كما إعتدت…؟


تخرج أحاسيسي كلها مدموجة في كلمة واحدة…


– تبيعها؟!!؟


يأتيني ردك في برود قاتل يكاد أن يعصف بي…


– آه… جايللي فيها رقم معقول وعايز أغيرها…


“أغيرها”… لكم تكون صراحتك موجعة أحياناً…إخترقت الكلمة مسامعي وكأنك تقول لي أنك تريد أن “تغيرني أنا”… ولكن… لماذا تنتابني هذه الدهشة وكأني لا أعرفك…؟ لماذا أنتظر منك الوفاء لسيارة وأنت الذي لم تستطع ان تحتفظ بي أنا…


يخترق صوتك الواثق صمت أفكاري مرة أخرى… وبنبرة آمرة تقول…


– يللا… هاعدي عليكي كمان نص ساعة… مرة أخيرة… فور ذا سيك أوف ذا جوود أولد دايز…


تتراجع جميع حصوني في إستسلام كعاداتي على مدار الثلاث سنوات الماضية… لا أقاوم أبداً… وأعود… كلما أردت أنت ذلك…


– أوك… أيل بي وايتينج…


رحاب رجائي
في 31 أغسطس 2010

September 23, 2009

لحظة

Posted in Arabic, Short Story at 2:26 am by Rou...

“طلقني…”

لم تصدق أن ذلك الصوت الذي نطق تلك الكلمة كان حقاً صوتها… أحقاً إستطاعت أن تطلب منه أن يتركها وهي التي تعيش به و له… أحقاً إستطاع أن يصل بها إلى هذه الدرجة من الإحباط و الحزن و الجرح…

دائماً ما كانت تقول أنها ملك له و جزء لا يتجزأ منه… كيف للجزء أن يترك بعضه… و هل هي حقاً ترغب في الإنفصال عنه… أم أنها لحظة غضب و كلمة لا تعنيها…

هل لازالت تحبه…؟
إن لم تكن تحبه، فلم هذا الوجع الذي يعصف بقلبها…؟
و إن لم تكن تحبه، لماذا إذن تنتابها الهواجس ليلاً و تستيقظ ناظرة إليه في ترقب و حيرة…؟

أتراه لا يزال يحبها…؟
أتراه صدق أنها حقاً تريد البعد عنه…؟
ولكنها لا تريد الطلاق…
لا تريد غيره هو…
أتراه يشعر بها…؟

أتراه…؟

***

يعلم جيداً أن النهاية كانت قادمة بين لحظة و أخرى… لقد كانا كالجسد الواحد… ولكنهما لم يعودا كذلك… يعلم ذلك عن يقين…

لطالما شعر بأنفاسها المتمللة ليلاً…
كم من المرات إسترق النظر إليها فوجد ذات النظرة الشاردة… غير الراضية…
كيف له أن يعيش معها و قد فقدت هي الرغبة في العيش معه…؟
ما ظل شهور يقنع نفسه بأنه أوهام أصبح أمراً واقعاً… لقد طلبته بنفسها…

ولكن… ماذا عنه…؟ أيحبها بعد…؟
كلا… إنه ذلك الفتور… لم يعد يثيره شئ فيها… كل ما كان سبب عشقه لها يوما… مله…
لقد إكتفى من ذلك الهم…

لا مفر… أحيانا يكون التصرف الصحيح هو عدم بذل جهد بلا معنى فيما ليس فيه أمل…
لقد إتخذ قراره…

“إنت طالق…”

رحاب رجائي
في 23 سبتمبر 2009

April 10, 2009

بورتريهات II

Posted in Arabic, Reflections, Short Story at 5:25 pm by Rou...

“كل واحد منا في قلبه حكاية…”

              – من أغنية راوي لسعاد ماسي

 

منذ عشر سنوات كتبت بورتريهات… و اليوم أكتب بورتريهاتٍ أخرى…

 

بورتريهات II

 

لم تطئ قدماي أي من المواصلات العامة منذ أكثر من خمس سنوات، تحديداً منذ العام الثالث بالجامعة حين توقفت عن ركوب مترو الأنفاق ذياباً و إياباً و إستوليت أولاً على سيارة أبي –  رحمه الله –  الفيات ال132 الحبيبة، ثم سيارة أخي، حتى إشتريت بعد تخرجي بشهور سيارتي الخاصة “المستعملة”…

 

منذ أيام قليلة أودعت سيارتي عند صديقها الميكانيكي لكي تقضي بعض الوقت في صحبته، فأنا لا أستطيع أن أفرق بين الأحبة… و بالطبع، و كما هو متوقع، لم أستلم سيارتي بعد… و بين عشية و ضحاها أصبحت مشاكلي كلها تتلخص في كلمة واحدة: “تاكسي”…

 

من يعرفني جيداً سوف يستطيع أن يتفهم كيف أن تلك الكلمة هي من أسوأ الأشياء التي قد تحدث إلي… ليس لشئ إلا أن سائقي التاكسي لا يمنحوا راكبي سيارتهم لحظة واحدة من الخصوصية… و أنا أكره الفضول و “الحشرية”… و “الرغي”… و هذه سمات ينفرد بها سائقي التاكسي عن باقي البشر، و كأنها عادة يتم إستخراجها مع الرخصة…

 

إذن… بطبيعة الحال و كما هو متوقع… بعد قضاء يومين فقط في التنقل بالتاكسي، أدركت أنني على وشك الإنهيار… فقررت أن أصبح مخلوق طفيلي… يعيش على “توصيلة” من هنا و أخرى من هناك…

 

أمس الأول و بينما كنت أتجول على قدماي في شوارع أرض الجولف وجدت بداخلي رغبة ملحة في ركوب المترو… ليس مترو الأنفاق، بل المترو “العادي” أو “الترام” كما كانت تطلق عليه جدتي – رحمها الله – … ذلك الكائن العتيق الذي يتهادى في سيره على القضبان حاملاً معه تاريخ ضاحية لم تعد حتى تحترمه… فتراه يطلق سرينته المتصلة و كأنه يصرخ في السيارات المقبلة أمامه أنني أنا الأصل… فتوقفي تبجيلاً لي…

 

ركبت مترو الميرغني من محطة كلية البنات، حيث تتحول عربة المترو فجأة و “بقدرة قادر” إلى ميدان رمسيس الساعة الثالثة عصراً، و أنا غير مستقرة على محطة النزول… كنت أريد أن آخذه لآخر الخط “فُسحة”… وقفت بجانب النافذة المفتوحة و الهواء المنعش يرتطم بوجهي المجهد… و حين صعد المترو على كوبري الميرغني وجدت نفسي في حالة عجيبة من الإنتعاش… و إرتسمت على ملامحي إبتسامة عريضة أكاد أن أقسم أن من رآاها على وجهي إستنتج أنني بلهاء…

 

حين وصل المترو إلى ميدان ترايومف كان الزحام قد خف قليلاً، فاتخذت مجلسي على المقعد الأحمر المتهالك و أنا أكاد أن أخرج رأسي من الشباك المجاور لكي “أتفرج” على الشوارع… إحساس مختلف أن تتجول في شوارع القاهرة بدون أن تكون بداخل سيارة… و كأنك تراها من منظور مختلف… رؤية أخرى، أقل تعصباً…

 

“شرابات يا حاجة؟ الواحد بتلاتة جنيه!”

 

إنتبهت من شرودي على الصوت الواهن لطفل صغير لا يتجاوز عمره السبع سنوات موجهاً حديثه لإمرأة في منتصف العقد الخامس من العمر جالسة قبالتي… رفضت السيدة في لطف فتوجه ببضاعته إلى أول العربة حيث كانت إمرأتان متشحتان بالسواد تجلسان…

 

“حاخد إتنين بخمسة… ”

“ماشي يا ست، خلينا نستفتح…”

 

تم التبادل السريع لل”بضاعة” و النقود، ثم إستدار تاركاً المرأتان خلفه و هو يدور بعينيه سريعاً على باقي الركاب لعله يجد في أي منهم “زبون” جديد، ثم ما لبث أن أخرج من جيبه بضعة أوراق مالية “مكرمشة” و إفترش أرضية المترو بجانب الباب…

 

نقلت بصري بين وجوه راكبي العربة لعلي أصل إلى نفس إستنتاجه السريع بعدم إحتمالية شراؤهم منه… على يميني جلس أربع فتيات يرتدين الخمار و يتحدثن بصوت مرتفع نسبياً… أمامي مباشرة وبجانب السيدة  جلس شاب في العشرينات من عمره يقرأ بصوت منخفض غير مسموع من مصحف صغير في حجم الجيب… في النصف الثاني من العربة وقف شاب “دُفعة”، كما يطلق عليهم، مستنداً برأسه على العمود في شِبْه غفوة… بينما إلى جانبه وقفت فتاة وحيدة تتطلع من النافذة في شرود…  

 

وجوه في مجملها كئيبة… تشابهت وإن إختلفت… عيون متحجرة… ثابتة ثبوت الموت…

 

عدت ببصري مرة أخرى تجاه الطفل، متابعة إياه وهو يحصي حصيلة يومه من إربع و أنصاص الجنيهات و ما إلى ذلك من العملات الورقية و المعدنية بأصابع يديه النحيلة… ولم أستطع أن أنزل ناظري من عليه حتى وصل المترو إلى محطته الأخيرة…

 

ترجلت من العربة العتيقة و أنا أتابع  بعيناي خطواته السريعة عابراً القضبان بينما أصابعه متشبثة بقوة بالكيس البلاستيكي الملئ بالشرابات رديئة الصنع التي يبيعها… إستمر في خطواته السريعة تجاه الجهة الأخرى من الشارع حتى إبتلعه الزحام واختفى من أمام ناظري…

 

كم يا ترى يجني في يومه…؟ كان تساؤلي الصامت و أنا هائمة على وجهي في الشوارع المجاورة… أتراه يكفيه لعشاء يومه أم أنه سيبحث عن فضلات الآخرين ليأخذ منها غذاؤه… أتراه سوف يستمر في حياته كبائعٍ جوال أم ستحوله الأيام إلى متسول… أو… سارق…؟!

 

أخذتني أفكاري و أنا أتجول على قدماي حتى قطع سيل أفكاري رنين هاتفي المحمول…

 

        “ألو…”

        “أيوة يا بنتي… إنتي فين؟”

        “مش عارفة… في الألف مسكن أعتقد…”

        “طب إيه النظام النهاردة…؟”

        “همم… مش عارفة… صحيح هو إنت ماتعرفش هم ليه سموها الألف مسكن؟ إيه يعني كانوا بانيين ألف بيت هنا؟”

        “و لا عندي فكرة… إنتي إيه اللي وداكي هناك أصلاً!”

        “كنت بتفسح…”

        “في الألف مسكن!!!”

        “لأ… في المترو…”

        “!!!!!”

        “سيبك… أشوفك في الكوربة كمان نص ساعة…”

 

 

رحاب رجائي

في 10 أبريل 2009

November 25, 2008

محدقون بلا عيون

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Revolutionary and Politician, Short Story at 1:15 am by Rou...

جلسوا متجاورين. كل يحدق أمامه في صمت، لا يلتفت أي منهم للآخر. الصفرة بدرجاتها تحيطهم من كل جهة فتزيد كآبتهم.

 

إلتفت إلى الرابض على يمينه ببطئ، تيبست رقبته فحركها يميناً ويساراً وهو يتنهد:

         آن الأوان لنخرج من هنا، فالوضع أصبح لا يطاق.

         تريد الهرب بعد كل هذه السنين؟

         بقاؤنا على هذه الحال المهينة لا يليق بنا. أنسيت من نحن؟ كنا نأمر فنطاع، الكل يهابنا. حتى عندما جاءوا بنا إلى هنا، كانوا ينظرون إلينا في محبسنا على أننا عظماء.

         سنجد أنفسنا غرباء في الخارج.

         الخارج أو الداخل ليس ما يعنيني. أريد الهيبة، الإحترام. لم أعد أطيق نظرات الناس وتعليقاتهم السخيفة. يسخرون منا ومن هذا السجن الذي نقبع فيه، لم نعد نرى نظرات التقدير في العيون. أكاد أجن عندما أسمع كلامهم الملئ بالحسرة وخيبة الأمل أحياناً، وبالسخرية والتهكم أحياناً أخرى. ظننت أحداَ منهم سيتحرك من أجلنا، يطالب بإطلاق سراحنا، أو حتى بنقانا من هنا إلى مكان أفضل.

         أحلامي أبسط من ذلك. كل ما أريده بعض الألوان من حولي لترفع عني شيئاً من الهموم، مكني أعذرهم، حالهم ليس أفضل من حالنا كثيراً. الحياة بالخارج يا صديقي مربوطة بحال هذا المكان.

         إياك أن تتحسر أنت أيضاً، يكفينا حسراتهم، أتذكر أيام كنا طلقاء؟ كنا نفعل كل شئ. لا أدري من أين جاءوا بهذا الضعف.

 

يمد رأسه إلى الأمام مخاطباً القابع على الطرف الآخر.

         أنت أيها الأحمق، لماذا لا تشاركنا الحديث؟

 

إبتسم في إستهزاء دون أن يجيبه.

 

أجابه الثاني:

         لن يجيبك، فهو يعلم أن رأس شقيقه طارت عندما حاول الهرب مثلك.

         تركوا جسده إلى جوارنا عبرة لنا، لكني لن أخاف. سأفعلها.

 

تلفت يميناً ويساراً في حيرة. لمعت عيناه وهو يهمس:

         وجدتها، سأتسلل إلى المسجد الموجود في الجهة المقابلة، أختبئ فيه بضعة أيام. إختفائي سيفزعهم، سيبحثون عني في الخارج لكنهم لن يجدوني، عندما ييأسون. أنطلق هارباً، وقتها يدركون حماقتهم عندما قللوا من قيمتنا.

         وإذا أمسكوا بك؟

         أكون لقنتهم درساً لا بأس به في أننا ما زلنا قادرين علو الفرار.

 

تسلل متسلقاً في خفة لا تتناسب مع سنوات عمره، وصل إلى الحافة، ثم قفز.

إنطلق جارياً فوق السلم الضخم، دخل المسجد في إضطراب، إختبأ في أحد أركانه، إندهش عندما وجده خالياً تماماً، غمغم في تعجب: حتى المسجد هنا أصبح مهجوراً. ظل مكانه لساعات لا يعرف عددها. قرر أن يخاطر، تسلق إلى المئذنة حيث قبع في سكون.

 

أخفض رأسه قليلاً عندما رأى تلك العينين تنظران إلى المسجد، دق قلبه بعنف عندما رآه ينظر إلى الجهة الأخرى حيث مكانه الخالي في تشكك.

 

سمع صوتاً يسأل الناظر في سخرية:

         لماذا تحملق هكذا كأنك تراه لأول مرة؟

         هناك خطأ ما

 

يشير إلى المكان الفارغ بإصبعه.

         إنهم ثلاثة فقط. أين ذهب الرابع؟

         ليذهب الأربعة أينما يشاءون، فلن نخسر كثيراً

 

تتعالى الضحكات الساخرة، يعض على شفتيه في حزن، كان يظن أن فراره سيكون زلزالاً بغبر كل شئ، عندما فكر فيه، خشى ألا يلاحظوه في غفواتهم التي لا تنتهي، أما أن يتجاهلوه ساخرين، صفعة لم تكن في حسبانه.

 

يعود إلى مكانه مجرجراً قدميه، شعوره بالهوان جعله يشعر لأول مرة أنه عجوز، يدير رأسه بين أشقائه، دموع متحجرة في عيون رفيقه، الإبتسامة الساخرة ما تزال على شفتي الأخ. يحدق في الرأس المقطوعة بأسى، يمسك بحجر صغير ليخط إلى جوارهم بضع كلمات، ثم يجلس في مكانه واضعاً يديه على فخذيه، محدقاً في إستسلام.

 

من يومها توجد إلى جوارهم لوحة صغيرة مكتوب عليها:

         أزيلونا من هذا المكان فهو لا يليق بنا

 

يراها بوضوح كل من يحدق في الجنيه المصري، وإن لم يلتفت إليها أحد، فهي مكتوبة، بالهيروغليفية.

 

 

 

— “حسن كمال” من كتاب “كشري مصر”

June 24, 2008

من القدس لبغداد… يا قلبي لا تحزن

Posted in Arabic, Books - Fav. Selections, Revolutionary and Politician, Short Story at 11:11 pm by Rou...

بيقول عمنا نجيب محفوظ: آفة حارتنا النسيان!

 

الحارة هي الشارع، والشارع هوه الناس، والناس يعني الوطن، والوطن كله يا عم بينسى، عمره ما اتعلم حاجة من التاريخ، عمره ما افتكر حكاية، زي حكاية جحا والرومي.

 

أصل جحا كان عنده بيت كبير وفي وسط البيت شجرة جميز عتيقة كان غرسها جده السابع، جحا الأول، الشجرة كانت كبيرة قوي، وكانت عاملة تحتها ضلة قد البيت نفسه، كان أجداده بيقعدوا تحتها، يتقابلوا ويحلوا مشاكلهم، ومشاكل الناس ويكرموا الضيوف تحتها، ويتلقوا العزا ويعملوا الأفراح برضه تحتها، وفي أيام الصيف بيقعدوا في ضلها يتسامروا. و لكن جحا هجر الضلة اللي تحت الشجرة لسبب مجهول، يمكن انشغل بحاجات تانية أهم، يمكن حب البيت أكتر من الشجرة، ويمكن عنده حساسية من الجميز! الله أعلم.

 

وفي يوم من الأيام طب واحد رومي على جحا وقال له: صباح الخير يا سي جحا، أنا كنت صاحب أبوك الله يرحمه، وكان سايب لك عندي أمانة. خير والدنيا بخير، أهو رومي مش من بلدنا لكن عنده أمانة وأخلاق. الرومي بربش بعنيه وقال له: أنا كنت سالف مبلغ 100 دينار دهب من أبوك الله يرحمه، خد أهم وحل رقبتي من الدين، أصل الدنيا كلها ما تغنيش عن الآخرة. جحا قال له: مظبوط، أخذ جحا الفلوس حطها في جيبه وسلم على الرومي، ونزل جحا للسوق، اتسوق ورجع البيت، العيال أكلوا وأم العيال أكلت، ولما سألته عن الفلوس قال لها كنت مسلف واحد قرشين أيام العز. الراجل عنده أمانة رجعهم، الدنيا بخير.

 

نام جحا وشخر ولما الشمس طلعت لقى الرومي واقف على بابه من بدري. الله! يمكن أبويا كان مسلفه أمانة تانية؟! صباح الخير يا سي جحا، خير، أصل بين البايع والشاري يفتح الله، واللي يتكسف من بنت عمه ما يجبش منها عيال. جحا قال له: واللي يتجوز أمي أقول له يا عمي، و5 و5 عشرة، و6 و4 عشرة، والرجولة أدب مش هز كتاف، هات من الآخر عاوز إيه؟ الرومي قال له: أنا عاوز أشتري الضلة اللي تحت شجرة الجميز بتاعتك. حلو! ده زبون سقع وباين عليه أهبل، وكمان أنا حاعمل إيه بالضلة! بكام تشتري؟ الرومي قال له: 5000 دينار دهب سلطاني، جحا قال له: وأنا بعت لك، ناولني الفلوس، الرومي قال له: لأ، نكتب عقد عند القاضي الأول. وماله!

 

كتبوا العقد عند القاضي وجحا قبض الفلوس ونزل السوق واتشبرق، اشترى هدوم جديدة له وللعيال، ولحمة وسمك وفاكهة وبعيد عن السامعين خمرة معتقة، أكل وشرب وحلى وصلى ونام. لما الصبح صبح جحا لقى الرومي قاعد تحت شجرة الجميز في الضلة وفي صحن البيت. جحا سأله: بتعمل إيه عندك؟ قال له: قاعد في ملكي. ولما الشمس تروح؟ أمشي على طول، مافيش مشكلة.

 

تاني يوم الضهر جحا لقى الرومي قاعد على المصطبة قدام باب البيت، جحا سأله: بتعمل إيه عندك؟ الرومي قال له: الضلة جت على المصطبة. ولما الضلة تروح؟ قال له: أمشي على طول، مافيش مشكلة. في اليوم التالت جحا لقى الرومي جايب مراته وولاده وبيفطروا في البلكونة، وقبل ما جحا ينطق الرومي قال له: الضلة جت هنا. اللهم طولك يا روح، مافيش مشكلة.

 

رابع يوم الروم كتروا بقوا 50 وبعدين 100 وكلهم قاعدين في الضلة اللي اشتراها الرومي، من البلكونة لصحن البيت للمصطبة مستنين، وأول الضلة ما دخلت البيت دخل الأروام بيت جحا نفسه وقعدوا، وجحا خلاص بطل يسأل، كل يوم على ده الحال، يفطروا هنا، ويتغدوا هناك، يناموا ويتسامروا ويضحكوا في الضلة، لحد جحا ما زهق، ميت رومي عنده كل يوم من طلوع الشمس لغيابها.

 

جحا أخذ بعضه وراح للرومي وقال له: بين البايع والشاري يفتح الله، واللي يتكسف من بنت عمه، الرومي قال له: ما يجبش منها عيال، طلباتك؟ جحا قال له: تشتري البيت نفسه، أنا عايز أسيب البلد وأمشي، الرومي قال له: 100 دينار. ميت دينار يا كافر ليه هو أنا سارقه! الرومي قال له: بين البايع والشاري يفتح الله، عليه العوض… هات.

 

كتبوا العقد عند القاضي وقبض جحا الفلوس، لم حاجته وخد عياله وودع حيطان البيت، وخرج للطريق مولاي كما خلقتني.

 

لما رحل جحا لبغداد لقى الأروام شاريين الضلة هناك، ولما رحل على القدس لقاهم برضه شاريين الضلة هناك، ومش عارف جحا حيلاقيهم تاني فين… أصل الأروام في الأساس تجار ضلة!

 

بيقول عمنا نجيب محفوظ: آفة حارتنا النسيان!

 

 

 

— من كتاب “نوستالجيا” ل “محمود أبو دومة”

February 24, 2008

ذلك الجسد… قصة قصيرة

Posted in Arabic, Short Story at 2:27 pm by Rou...

 

“تصبحي على خير…”

 

تمتم جملته في صوتٍ خافت يكاد ألا يكون مسموعاً وهو يمد يده مغلقاً نور الحجرة التي تجمعهما منذ سنواتٍ إقتربت من الخمس، وما هي إلا لحظات حتى إستمعت إلى صوت تنفسه المنتظم الذي ينبئها باستغراقه في النوم… ألقت نظرة طويلة على ذلك الجسد المسجي إلى جانبها، وما لبثت إلا أن أدارت وجهها إلى الجانب الآخر من الغرفة و عبثاً حاولت أن تزيح جانباً أفكارها و تنام…

 

إستغرقها الأمر أكثر من ساعة من الأرق حتى أتى النوم إلى عينيها أخيراً… تنتابها حالة الأرق هذه بصفة دائمة منذ أكثر من ثلاث سنوات، تظل مستيقظة لساعات، و حين تنجح في النوم أخيراً لا يكون أبداً باستغراق؛ يكون نوماً قلقاً مليئاً بالأحلام المزعجة التي لا تجد لها تفسير…

 

إستيقظت على صوت سيارة مسرعة في الشارع… ألقت نظرة سريعة على الساعة القابعة على المنضدة بجانبها فوجدتها قد تعدت الثالثة صباحاً بقليل… تقلبت في مكانها أكثر من مرة، و لكن هيهات… إن النوم لن يأتيها قبل ساعة أخرى على أفضل التقديرات، فلا يصير أمامها إلا ساعة أو أقل قبل ميعاد إستيقاظها اليومي في الخامسة و النصف صباحاً…

 

فشلت كل محاولاتها لإستعادة النوم، فدفعت بالوسادة إلى الوراء وارتفعت بجسدها قليلاً مستندة عليها في وضع قريب من الجلوس… شردت في الفراغ المقابل للفراش أمامها و الذي ينتهي بمرآه تغطي الحائط المقابل و التي تظهر عليها في تلك اللحظة إنعكاسات و ظلال غير واضحة نابعة من الأضوء الخافتة التي نجحت في العبور من زجاج النافذة إلى داخل الحجرة… 

 

نظرت بطرف عينها إليه، ثم أشاحت بوجهها سريعاً…

ألهذه الدرجة لم تعد تطيق مجرد رؤيته…؟ أم أنها تهرب من التفكير في حقيقة أنها لم تعد تشعر به إلا كجسد غريب ممدد بجانبها…؟

أجبرت نفسها على النظر إليه مرة أخرى ولم تستطع محو ذلك التساؤل المرعب بداخلها؛ كيف تزوجت هذا الرجل في يوم من الأيام…؟

 

إن ذلك الجسد الملقى إلى جانبها – و الذي تتعالى أصوات أنفاسه المستغرقة في النوم – لا يمت بصلة إلى ذلك الشخص الذي كانت تختال به حباً في يومٍ ما… ذلك الرجل الذي دك جميع حصونها دكاً، واستولى على عقلها وقلبها معاً لسنوات… كيف تحول ذلك الولع إلى هذه الحياة الباردة… الجافة… الخالية من الحياة…؟

 

لقد كانت هذه الصورة تحديداً تمثل رعب عمرها… أن تستيقظ في منتصف الليل ناظرة إلى الجسد إلى جوارها مسيطراً عليها شعور لا يحتمل بالغربة… و لكن الأكثر رعباً الآن أن ذلك المشهد لم يعد مجرد خاطرٍ مرعب يؤرقها… لقد تحول إلى حقيقة تواجه بها نفسها كل ليلة، وواقع لا تجد له منفذ و لا تعرف ما أوصلها إليه، ولا تجد في نفسها حتى القدرة على تغييره…

 

أشاحت بوجهها بعيداً مرة أخرى ناحية النافذة…

 

ألقت بالغطاء بعيداً عن جسدها مُحكِمَه وضعه على الجسد الممدد إلى جانبها ، وغادرت فراشها – البارد على الرغم من دفئه – بهدوء…

 

إلتقطت شال خفيف ملقى على المقعد المجاور و غطت به كتفيها العاريتين و إتجهت ناحية الشرفة حافية القدمين… خرجت إلى الهواء الخريفي البارد و أحكمت إغلاق نافذة الشرفة من خلفها… وصلت إلى حافة السور الخشبي و تشبثت به كالأطفال و هي تتأمل الهلال الذي بزغ منذ أيام… سرحت طويلاً في النجوم المتناثرة حوله… و ابتسمت متذكرة كم كانت تهوى رسم أشكال خيالية تربط بها بين النجوم في صغرها… أين هي الآن من تلك الفتاة الحالمة…

 

أزاحت الشال عن كتفها و أمسكت بطرفه في يدها و أطلقت طرفه الآخر يتلاعب أمامها مع النسمات الباردة، وهي تفكر كم تتشابه حياتها في هذه اللحظة مع ذلك الشال… مثله هي بداخلها طاقات و أحلام متطايرة تئن من قيودها…

 

أطلقت يدها الممسكة بطرف الشال تاركة له العنان ليتطاير و يندفع من سماءٍ لأخرى في حرية… أخذت تتابع رحلته في صمت حتى إستقر أخيراً – و لدهشتها – على طرف شرفة في الجوار…

 

لماذا لم يكمل رحلته وسقط…؟

هل كان حقاً يحتاج إلى يدها كي تساعده على الإستمرار في رفرفته في الهواء…؟ ولماذا إذن كانت تظن أنها كانت تحجم حريته في الإنطلاق…؟

هل هي حقاً مثل ذلك الشال…؟

هل تحتاجه حقاً…؟

منذ بضعة سنوات كانت لتصرخ نعم… ولكنها لا تعرف الإجابة عن يقين الآن… فقد وصلا إلى مرحلة من البعد تفزعها… أصبح الصمت هو صديقهما اللدود… وهي قد آمنت منذ زمنٍ بعيد أنه عندما يصل شخصان لهذه الدرجة من  الصمت، فإن الأمور حتماً ليست على ما يرام بينهما…

 

ولكن ما الذي أودى بهما إلى هذا الطريق المسدود…؟ ولم تقنع نفسها دائماً أنه هو الذي تغير بعد شهور من زواجهما…؟ لماذا أصبح الفتور هو السمة المميزة لعلاقتهما…؟ إنها حتى لا تذكر متى كانت آخر مرة قالت له أنها تحبه… بالطبع هي تعلم عن يقين أن الأمر أكبر من بضع كلمات… ولكنها لا تستطيع أن تنكر أن مثل هذه الكلمات والأفعال كانت تضفي لمسة جميلة في الماضي… حين كانا…

 

هل لازالت تحبه…؟

نعم… برغم كل هذا الفتور المتمكن من علاقتهما لازالت تحبه…

أين المشكلة إذن…؟ لماذا وصلا إلى هذه الحالة…؟

 

أفاقت من شرودها على صوت المنبه قادماً من داخل حجرتها، معلناً موعد إستيقاظها… أسرعت الخطى ناحية الغرفة و هي تلقي نظرة أخيرة على الشال المعلق… أغلقت نافذة الشرفة بإحكام و أسرعت في إتجاه المنبه تغلقه غير راغبة في أن يتسبب الصوت في إيقاظه…

 

نظرت إلى ملامح وجهه التي كانت قد إقتربت من نسيانها وبداخل عقلها كانت قد وصلت لقرار بعدم الإستسلام لهذا الفتور في علاقتهما… ستحاول مرات و مرات… تعرف عن يقين أنها لاتزال تحبه و أنه لا يزال يحبها… و هي لا تريد أن ينتهي بهما الأمر مثل ذلك الشال المعلق… الذي فقد صاحبه… للأبد…

 

تقلب في مكانه عدة مرات وقد بدأ يستيقظ… أشرق وجهها بابتسامة كانت قد إختفت من وجهها منذ سنوات وهي تنظر إلى التساؤل الصامت في عينيه الناعستين…

 

جلست على طرف الفراش بجواره ممسكة بيده بين يديها، وطبعت قبلة حانية على بطن يده وهي تهمس…

 

“صباح الخير يا حبيبي…”

 

 

 

 

رحاب رجائي

24 فبراير 2008  

Next page